في مراحل ما قبل التطور الاقتصادي والعلمي الذي شهدته دول مجلس التعاون الخليجي، عرفت كل من العراق وإيران تقليدياً بأنهما الدولتان اللتان تتواجد لديهما إمكانيات صناعية كامنة· لذلك فإنه ليس من المستغرب أن تسعى كل منهما إلى إقامة منشآت نووية· وفي الوقت نفسه فإن دول المجلس لم تسع إلى شيء من هذا القبيل مطلقاً لأسباب تعود إلى قناعات خاصة بها، إن كان على مستوى دولة أو على المستوى الجماعي·
ومنذ أن قامت إسرائيل بتدمير المنشآت العراقية عام 1981، بقيت إيران وحدها هي التي تملك منشآت نووية تقول إنها مخصصة للاستخدامات السلمية فقط· إن قدرات إيران النووية الحالية تعود إلى أيام الشاه ونظرته التي كانت تقوم على بناء محطات توليد طاقة كهربائية تعمل بالطاقة النووية· وقد بدأ بتنفيذ نظرته تلك من عام 1974 عندما أمر بإنشاء محطة كهربائية من هذا النوع بطاقة اجمالية قدرها 23.000 ميجاواط· ولو شاءت الأقدار وسارت الأمور سيراً طبيعياً لكان بمقدور نظام الشاه السابق أن يحظى لنفسه بميزة وتفوق غير مسبوقين -في مجال الأبحاث النووية سواء في مجال الطاقة أو التكنولوجيا الخاصة بإنتاج الأسلحة النووية- على جميع جيران إيران في المنطقة، ولكن جاءت الثورة وتعرقلت الأمور في هذا المجال إلى وقت لاحق·
وبرغم أن برنامج أبحاث إيران النووي بدأ عام 1958 إلا أن مفاعل الأبحاث الصغير ذا طاقة 5 ميجاواط الذي زودت به جامعة طهران لم يبدأ في العمل حتى عام 1967· فبعد إنشاء هيئة الطاقة الإيرانية عام 1957 وافقت الولايات المتحدة الأميركية على تزويد إيران بمفاعل الأبحاث الصغير ذاك وتركيبه في الجامعة· ولكن السعي الحقيقي لتوجهات إيران النووية لم يبدأ في التبلور الحقيقي حتى عام 1973-1974· فمع تدفق رأس المال المفاجئ نتيجة لارتفاع أسعار النفط كان بامكان إيران الانفاق على أي شيء تريد تطويره، ويبدو أن أحد أحلام الشاه في تطوير إيران هو جعلها قادرة على امتلاك الأسلحة النووية· لذلك فإنه بالإضافة إلى إنفاق إيران الهائل على التسلح التقليدي، وإنشاء بنية تحتية صناعية قوية كانت خطة شراء إيران لمفاعل نووي كبير عنصراً مهماً من عناصر تحديث إيران وتعزيز دورها الإقليمي في الشؤون الدولية·
وفي سبيل تحقيق ذلك الحلم السياسي تطلب برنامج منشأة الطاقة النووية الإيرانية كميات هائلة من اليورانيوم وعدداً كبيراً من الموارد البشرية المدربة وموردين محليين وخارجيين موثوق بهم لتأمين الحصول على المعدات التكنولوجية وتركيبها· وعندما تم إنشاء مؤسسة الطاقة النووية الإيرانية عام 1974 كانت إيران تفتقد إلى جميع العناصر السابقة· ولكي تضمن تمويلاً مستمراً من اليورانيوم أنتج نظام الشاه ما يعرف بسياسة المورد المباشر، وإلى ذلك تمكنت إيران من الحصول على حصة مقدارها 15 في المئة من أسهم شركة تعمل على استخراج اليورانيوم من مناجم في ناميبيا·
ولكي تؤمن حصولها على مدخل للتكنولوجيا والمهارات البشرية عالية الكفاءة في مجال تخصيب اليورانيوم امتلكت إيران حصة مقدارها 10 في المئة في مجمع إيروديف EURODIF الفرنسي لتخصيب اليورانيوم، و25 في المئة في مجمع كورديف COREDIF الفرنسي لتخصيب اليورانيوم·
وخلال الأشهر القليلة التي أعقبت ثورة 1979 استمرت إيران في الالتزام بجميع عقودها الخاصة بالتسلح والتكنولوجيا المتقدمة المبرمة مع جميع الحكومات والمؤسسات الأجنبية· وتشير الدراسات والتقارير التي خرجت في تلك الفترة إلى أن إيران استمرت في شراء اليورانيوم من الشركة العاملة في التنقيب في ناميبيا والتي كان يتمتع بعضوية مجلس إدارتها اثنان من المسؤولين الإيرانيين· ونسبة 10 في المئة التي تشكل حصة إيران في الشركة كانت توفر لها حوالى ألف طن من اليورانيوم سنوياً· ومن جانب آخر فإن إيران أعادت تفعيل قنواتها النووية مع ألمانيا الغربية والأرجنتين وربما فرنسا، ثم بعد ذلك أقامت علاقات جديدة مع روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي·
ونخلص من ذلك إلى أن إيران هي التي بدأت باكراً برامج طموحة لإدخال استخدامات الطاقة النووية في الخليج· وإلى ما قبل الأحداث الدراماتيكية التي وقعت مؤخراً بين إيران والمجتمع الدولي، والتي أدت إلى تراجع إيران عن خططها الخاصة بتخصيب اليورانيوم وإنتاج الأسلحة النووية والتوقيع على البروتوكول الإضافي لاتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية كانت لديها كافة الامكانيات لامتلاك السلاح النووي· ولكن في ظل الظروف الراهنة يبدو أن خطط إيران النووية قد توقفت إلى حين·