على رغم المرونة السياسية الواضحة في برنامج حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، التي تبدت في تحديد الهدف الأعلى بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على جميع الأراضي التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس، بما يعني على نحو صريح إطلاق رسالة تعني العيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل.. وعلى رغم الفقرة الفصيحة التي تلاها بنفسه إسماعيل هنية، التي تحمل رقم البند 2 تحت عنوان الصعيد السياسي، التي تحمل رسالة أخرى واضحة حول القبول بدولة إسرائيل والاتفاقات الموقعة معها وقرارات الأمم المتحدة التي تعترف بوجودها.. وعلى رغم الفقرة بالغة الدلالة على عزم الحكومة على بناء سلام دائم مع إسرائيل والتي تقول: "حتى نتمكن من بناء أرضية قوية ومتماسكة للسلام والأمن والازدهار في ربوع المنطقة وأجيالها المتعاقبة"، وعلى رغم البند الذي ينص على أن الحكومة ستعمل من خلال التوافق الوطني على تثبيت التهدئة وتوسيعها لتصبح تهدئة شاملة ومتبادلة ومتزامنة، وذلك في مقابل التزام الاحتلال الإسرائيلي بوقف إجراءاته على الأرض.. على رغم كل هذه الإشارات المرنة التي تعبر عن تحول واضح في موقف "حماس" الشريك الرئيسي في هذه الحكومة، فإن الساسة الإسرائيليين إجمالاً، أعلنوا رفضهم التفاوض مع هذه الحكومة ذات التوجهات السلمية والاعتراف بها، وراحوا يحضون العالم على مواصلة فرض الحصار على الشعب الفلسطيني. الأخطر والأغرب، هو ذلك الموقف الذي اتخذه وزير الشؤون الاستراتيجية "ليبرمان"، والذي دعا فيه إلى ضرورة مقاطعة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووقف أي اتصالات معه بحجة أنه يضفي الشرعية على ميول "الإرهاب" التي تعتمدها الحكومة الجديدة. لقد صمم "ليبرمان" في جلسة الحكومة الإسرائيلية المنعقدة يوم الأحد بعد يوم واحد من إعلان قيام حكومة الوحدة الفلسطينية، على ضرورة أن تستمع الحكومة الإسرائيلية إلى اقتراحه وأن تعمل به، ملوحاً بالاستقالة إذا لم يؤخذ برأيه. لقد ترك حكام إسرائيل كل الإشارات الدالة على التوجه السلمي الفلسطيني، والتي تلبي بأشكال فصيحة مطالب الرباعية الدولية، ولكن بصياغات محكمة وتمسكوا بأنها حكومة "إرهابية" لمجرد تأكيد الحكومة الفلسطينية على أن المقاومة الشعبية الجماهيرية ضد الاحتلال حق مشروع للشعب، كفلته له الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية كافة في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتواصل. إن الدلالة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذه الاستجابة الإسرائيلية المتعامية والمتغابية عمداً عن كل هذه الإشارات السلمية المرنة، هي أن حكام إسرائيل قد أصيبوا بالفزع من الدعم العربي الذي تحظى به الحكومة الفلسطينية الجديدة، وما يمكن أن ينتج عنه من كسر الحصار على الشعب الفلسطيني من ناحية، وفتح الطريق مع القوى الدولية لعملية سلام تنظر باحترام إلى البند الخامس الوارد تحت فصل "على صعيد مواجهة الاحتلال" من بيان الحكومة الذي يقول بالنص: "تؤكد الحكومة أن تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة مرهون بزوال الاحتلال واستعادة شعبنا لحقوقه الوطنية وإزالة الجدار العنصري والمستوطنات ووقف تهويد القدس وسياسة الضم وكل أشكال التمييز العنصري وإعادة الحقوق إلى أصحابها". إن هذا البند الذي يفصح عن الرغبة الفلسطينية في السلام العادل القائم على إنهاء الاحتلال وإزالة آثاره في الأرض المحتلة عام 1967، هو بالضبط الأمر الذي لا تريده الحكومة الإسرائيلية بأطيافها المختلفة، فهم لا يريدون إزالة المستوطنات ولا يريدون هدم الجدار العنصري الذي يلتهم أرض الضفة ولا يريدون وقف تهويد القدس. لقد ألقى الفلسطينيون ببرنامج حكومتهم وتشكيلها، حجراً ثقيلاً في بحيرة المياه الراكدة التي خلفتها إسرائيل، ليس فقط مع تولي "حماس" للحكومة بل وقبل ذلك بكثير، عندما حوصر ياسر عرفات الذي قاد مسيرة السلام الفلسطينية مع إسرائيل. إن دلالة الرد الإسرائيلي تتطلب من القمة العربية المقبلة موقفاً عربياً صلباً يعبر عن المساندة الفعالة لأهداف الحكومة الجديدة في إقامة سلام عادل يستند إلى رؤية بوش في إقامة دولتين متجاورتين تعيشان في سلام. إن موقفاً أقل من هذا من جانب قمتنا المقبلة، سيشجع إسرائيل وحكومتها على المضي في غيّها وفي سياساتها التوسعية والعدوانية المرفوضة.