انتهينا في المقالات السابقة إلى أن ما يؤسس مبدأ الإجماع كـ"أصل للتشريع" هو سلطة السلف والتقليد، أي ما عبر عنه أبو حامد الغزالي بـ"العادة". والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو التالي: من أين جاءت سلطة السلف هذه وما طبيعتها؟ يقول علال الفاسي، وهو من أبرز رجال "السلفية الجديدة" في المغرب، في معرض رده على الذين طعنوا في إمكان قيام الإجماع، يقول: "والحقيقة أن الإجماع ذو أصل أصيل في الدين". وآيات القرآن وأحاديث النبي صريحة في مشروعية العمل بما وقع عليه الإجماع من المؤمنين. ولكن استعمال الإجماع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في تثبيت طريقة اختيار الخليفة وفي طريقة الحكم الشورى هو الذي شكك الشيعة ومن انحدر منهم من المعتزلة في أمر الإجماع وحجِّيته. فحينما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخلف وصية بمن يخلفه أدت الروح الإسلامية المبنية على التشاور بين المؤمنين إلى قيام الأمة بواجبها في حفظ النظام وحماية البيضة، فاجتمع العارفون في السقيفة وتبادلوا الرأي والدليل، وأجمعوا بعد ذلك أمرهم على مبايعة أبي بكر، ثم وقع إجماع الأمة على قبول ما فعلوه وصار الصدّيق خليفة للرسول غير منازَع من أحد (...). وهكذا نجد أن الإجماع أدى أعظم خدمة للإسلام، إذ فتح باب الاجتهاد والشورى وسهَّل مواصلة العمل الذي قام به عليه السلام. ولكن العصر الأول كان يمتاز بالتشاور في كل ما لا نص فيه، فكان أهل الحل والعقد يشتركون في وضع أسس تاريخية واجتماعية لمصدر الإجماع الشرعي. فلما انحرف المسلمون عن نظام الخلافة والشورى واقتبسوا من الفرس نظاماً يقوم على أساس الحكم المطلق الوراثي، الأمر الذي أثار كثيراً من الانتقاد الذي أعلنه المجتهدون وقادة المسلمين، فكان لابد من تقييد النظر لحماية السلطة المُطلقة الصاعدة، وقد أصاب ذلك، فيما أصاب، فكرةَ الإجماع الحقيقية كما فهمها المسلمون الأولون، وأَحدَث حولها خلافاً بَعُدَ بها عن محيطها الأصلي. فالإجماع كما يُتحدث عنه منذ القرن السادس عبارة عن اتفاق الناس في كل بقعة من بقاع الأرض، وذلك بالطبع ما لم يفهمه المسلمون الأولون وما لا تدل عليه نصوص الكتاب والسُّنة" (علال الفاسي. مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها. ص115-116). نحن هنا أمام ثلاثة أفكار رئيسية: 1) إن الإجماع ولو أنه "أصل أصيل في الدين" (لم يقل أصلاً من أصول الدين)، فإن أمره يرجع تاريخياً إلى حادثة سياسية، وهي اجتماع الصحابة لاختيار خليفة للنبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاته. 2) إن العصر الأول، عصر الصحابة، عصر بناء الدولة الإسلامية، قد امتاز بالتشاور في كل ما لا نص فيه، وأنه من خلال عملية التشاور هذه "كان أهل الحل والعقد يشتركون في وضع أسس تاريخية واجتماعية لمصدر الإجماع الشرعي"، بمعنى أن "الإجماع" كأصل من أصول التشريع إنما يجد مصدره في التاريخ والمجتمع، لا في أي شيء آخر، وأنه إنما يعني من الناحية العملية: التشاور في كل ما لا نص فيه. 3) إن تحول الحكم في الإسلام بعد "العصر الأول" إلى "الحكم المطلق" قد أدى إلى "تقييد النظر" والقضاء على "التشاور" وبالتالي على المضمون الحقيقي لفكرة الإجماع. لاشك أننا هنا أمام تأويل موضوعي تاريخي لنشأة فكرة "الإجماع" وتطورها، ولا نظن أحداً من المفكرين يعارض اليوم النتائج السياسية التي يفرضها هذا التأويل والتي يعبر عنها علال الفاسي نفسه حينما يدعو الدول الإسلامية "أن تجعل من أنظمتها الديمقراطية الحديثة سبيلاً لبعث الشورى الإسلامية وتحقيق معنى الإجماع الإسلامي لأول مرة". ويصيف: "إن الاستبداد الذي أصاب نظام الحكم الإسلامي هو الذي حول التطور في تنظيم الشورى والإجماع إلى مجادلات فارغة في حجية الإجماع وإمكان وقوعه وعدم ذلك" (نفسه 117- 118). إن هذا يعني، بعبارة أخرى، أن كل المناقشات والخلافات والاعتراضات التي عرفها تاريخ الفقه الإسلامي حول "الإجماع" كانت نتيجتها الملموسة، ولربما الوحيدة، هي تمييع فكرة الإجماع وبالتالي إقرار الاستبداد. ولا يعني هذا أن الفقهاء قد أرادوا ذلك واختاروه، بل إن تغلب الاستبداد و"انقلاب الخلافة إلى ملك عضوض" كما يقولون، هو الذي أدى إلى ذلك. هذه القراءة السياسية قد يقبلها المؤرخ فضلاً عن السياسي. غير أن الباحث الإيبيستيمولوجي (الفاحص لأسس المعرفة) لا يستطيع أن يقف عند حدود القبول، بل هو يتساءل ويتفحص ويستنتج. وفي هذا الصدد لابد من القول إن تمييع فكرة الإجماع لفائدة الاستبداد في "الحاضر"، حاضر الفقهاء في كل عصر وجيل، قد جعل الأنظار تتجه بـ"الإجماع" إلى الماضي، إلى "السلف" لتجعل منه ليس فقط المؤسس لـ"الإجماع" كـ"أصل" تشريعي، بل أيضاً كخاصية لـ"المدينة الفاضلة" التي مورس فيها وحدها. والنتيجة هي استبداد "مدينة السلف"، هذه المتخيَّلة، بعقول الفقهاء، مما أضاف إلى الاستبداد الجائر القائم في "الحاضر" استبداداً آخر "فاضلاً" ماضياً، فكان الاستبداد الذي عانى منه العقل البياني استبدادين: استبداد الحكام بالسياسة، واستبداد السلف بالمعرفة، ومن دون شك فإن الوقوع في الثاني إنما كان بسبب الهروب من الأول، بسبب عدم القدرة على مواجهته والتصدي له. ونحن إنما قلنا "العقل البياني" ولم نقل "العقل الفقهي" لأن سلطة "الإجماع" قد امتدت إلى الحقول البيانية الأخرى من نحو وبلاغة وكلام... لنستعرض بعض مظاهر هذه "السلطة" خارج التفكير الفقهي لنرَ إلى أية درجة كان هذا "الأصل"، وربما ما يزال، من أقوى السلطات المرجعية في الحقل المعرفي البياني ككل. لقد تبنى علماء العربية، من لغويين ونحويين وبلاغيين، الهيكل الصوري لـ"علم أصول الفقه" فجعلوا من النص (=السماع، النقل) والإجماع والقياس، الأصول الثلاثة الأساسية في علوم اللغة، كما جعلوا، شأنهم في ذلك شأن الأصوليين الفقهاء، من الاستحسان والاستصحاب.. الخ، أصولين مكملين. وهكذا فبالنسبة لـ"الأصل" الذي يهمنا هنا -الإجماع- نجد ابن جني الذي كان من أكبر "المتكلّمين"، في أصول النحو يعقد بابا بعنوان: "باب القول في إجماع أهل العربية متى يكون حجة" يقول فيه: "اعلمْ أن إجماع أهل البلدين (الكوفة والبصرة) إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص. فأما إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجة". ومع أن ابن جني يربط العمل بـ"إجماع أهل العربية" بموافقة "الخصم" (صاحب الرأي المخالف)، على التقيد بالنص وما قيس عليه، فإنه يعود فيجعل سلطة الجماعة -جماعة النُّحاة- ملزمة في كل الأحوال. يقول: "إلا أننا مع هذا الذي رأيناه وسوغناه لا يسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها وتتالت أواخر عن أوائل، وأعجازاً عن كلاكل" (ابن جني، الخصائص،. ج1. ص 189). واضح أن ابن جني يؤكد هنا على عدم جواز مخالفة "إجماع" النحويين، وهو المقصود بـ"الإجماع"، عندما يتعلق الأمر بالإجماع في العربية. وهذا مأخوذ من علماء أصول الفقه الذين ناقشوا المسألة وقرروا أن المقصود بـ"الإجماع" هو إجماع "المجتهدين" وليس إجماع عامة الناس. ويؤكد ابن جني هذا المعنى في سياق آخر: جواز أو عدم جواز الاقتداء بالنحويين -أي تقليدهم مثلما يقلد الناس المجتهدين في الفقه- فيقول: "ولما كان النحويون بالعرب لاحقين، وعلى سمتهم آخذين، وبألفاظهم متحلين، وبمعانيهم وقصودهم مٌلمين، جاز لصاحب هذا العلم(...) أن يرى فيه نحواً مما رأوا ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا، وأن يعتقد في هذا الموضوع نحواً مما اعتقدوا في أمثاله" (ج1. ص 189 ). نعم هناك من النحاة من استغنى عن "أصل الإجماع"، غير أن احتفاظهم بالأصول الأخرى جعل فكرة "الإجماع" التي حاولوا إخراجها من الباب تعود إليهم من النافذة. فأبو البركات ابن الأنباري الذي جعل أصول النحو ثلاثة لا غير: نقل، وقياس، واستصحاب حال، (لمُع الأدلة في أصول النحو)، لم ينتبه –ربما- إلى أن مفهوم "استصحاب الحال" يحمل نفس المعنى الذي فسر به الغزالي فكرة "الإجماع": معنى العادة. وبعد، فيقول مثل مغربي، ولعله عام، "معزة ولو طارت"، وأصل هذا المثل أن رجلين في الصحراء رأيا حيواناً أسود بعيداً عنهما، فقال أحدهما هو: غراب، بينما قال الآخر: بل هو معزة. وتشاحنا وتعصَّب كل لرأيه. ولما طار ذلك الحيوان واتضح أنه غراب، قال الرجل الآخر: "معزة ولو طارت". فصار مثلاً. نحن لسنا من هذا النوع من البشر. كل ما نريد هو تجنب الوقوع في الخلط بين المعزة والغراب بسبب السواد، وربما بسبب ضعف البصر كذلك. ولذلك قلنا في مستهل المقال الأول من هذه المقالات حول الإجماع ما يلي: "غرضنا في هذا المقال -وفيما يليه في الموضوع نفسه- هو إلقاء بعض الأضواء على مفهوم "الإجماع" كما ناقشه العلماء الأصوليون، عسى أن تُـنبِّه هذه "الأضواء" من يحتج بـ"الإجماع"، من غير المختصين وعن غير علم، إلى ضرورة عدم التسرع في الاحتجاج به لإثبات حكم أو نفيه". عدم التسرع معناه: عدم الاستسلام للعادة، أقصد العادة الفكرية التي تحكمها "الأفكار المتلقاة" التي وصفناها في مقال سابق بأنها "عوائق معرفية". والمبتلون بالعوائق، مهما كانت، معذورون على كل حال.