الديمقراطية... وهْم أم حاجة حقيقية؟! ------- الدعوة التي لا تكاد تعلو على صوتها دعوة أخرى في كافة أنحاء العالم النامي هذه الأيام، هي المطالبة بالديمقراطية وبإقامة النظام الديمقراطي الذي تتفق أغلب التحليلات السياسية والاجتماعية على أن غيابه يمثل السبب الأول لما تعانيه مجتمعات الدول النامية من تعثر لمشاريعها التنموية، ومحاولات إطلاقها من أسر التخلف والفقر والتبعية الأجنبية. لكن على رغم ذلك ثمة من يتعاطى مع الديمقراطية من منظور آخر، لا يرى لها أية ضرورة على الإطلاق، بل يعتبرها أسوأ شكل لنظام الحكم والسلطة، مطالباً بالعودة إلى الأشكال الأولى للمساواة والمجتمع الحُر... كما نجد في كتاب "الديمقراطية بين الحقيقة والوهم" لمؤلفه أحمد حسن الفقرة. في هذا الكتاب نقرأ عبر مساحة تناهز 400 صفحة، نقداً جذرياً للديمقراطية باعتبارها حركة ارتكاسية في التاريخ الإنساني، أي من حيث هي تراجع عن المشاعية الأولى التي قامت على العمل المشترك والملكية المشتركة والدفاع المشترك والتساوي في الحقوق ومساواة الرجل بالمرأة! وبذلك يتبنى المؤلف منهج التفسير الماركسي للتاريخ، كاملاً وبحذافيره، خاصة لجهة الربط بين ظهور الملكية الخاصة ونشوء الطبقات الاجتماعية، وقيام الدولة كسلطة تتقنَّع بالقانون لحماية مصالح الطبقة العليا. وفي إطار التصورات الماركسية التقليدية، يوضح المؤلف في الفصل الأول من كتابه تحت عنوان "الديمقراطية ما قبل البرجوازية"، أنه بعد البداية الأولى من تاريخ البشرية، التي كانت "إنسانية بامتياز"، انقلبت معادلة التاريخ 180 درجة؛ فبسبب تطور أدوات الإنتاج تحولت الديمقراطية الحقيقية في التشكيلة البدائية الخالية من الملكية الخاصة وبالتالي من الطبقات الاجتماعية وما سيعرف لاحقاً باسم الدولة، إلى "ديكتاتورية متوحشة تمارسها الطبقة المستغِلة، ضد العمال ومنتجي الخيرات المادية، وفق شرائع سنَّتها على قدرها". وهناك يركز المؤلف على من يسميهم "كهنة اللاهوت"، والدور الذي لعبه هؤلاء بوصفهم جزءاً من الطبقة المستغِلة، ضمن ما يسميه "تشكيلة النظام العبودي"، أي النظام الذي يراه متمثلاً في الحضارات الكبرى القديمة، كالفرعونية والبابلية واليونانية... ثم ظهرت في مرحلة لاحقة "التشكيلة الإقطاعية" وما رافقها من ديكتاتورية الطبقة المستغلة والتي مارست أبشع صنوف الاضطهاد ضد طبقة الفقراء والعمال. وفي هذا الفصل يفرد المؤلف مساحة واسعة للدور الذي لعبته الكنيسة في قمع المطالب والتطلعات الاجتماعية للطبقات الدنيا وفي محاربة العلم والحجر على إعمال العقل... كوسيلة لتعطيل مسارات التغير وكبح أي حراك في مجتمعات القرون الوسطى. كذلك لم يوفر المؤلف طبقة رجال الدين في العصور الإسلامية الوسيطة، معتبراً أنهم كانوا السند الأساسي لأيديولوجية الجماعة الحاكمة، أي "فقه الأرستقراطية في تسلطها على المجتمع". وفي الفصل الثاني من كتابه، يطل المؤلف على "الديمقراطية البرجوازية"، من نافذة الاجتياح الأميركي لأفغانستان وغزو العراق وفضيحة سجن أبوغريب ومأساة جوانتانامو... ليتساءل: كيف بدأ هذا التوحش الرأسمالي طريقه..؟ وكيف أصبحت الرأسمالية منتجة للعنف..؟ هنا يرى الكاتب أنه من رحم ديكتاتورية "الإقطاع- الكهنوت"، كانت تشكلت ديكتاتورية جديدة هي ديكتاتورية الطبقة البرجوازية التي ملكت أدوات إنتاج جديدة غيرت علاقات الإنتاج الإقطاعية إلى علاقات إنتاج برجوازية. "لقد سقط الإقطاع الذي اعتبر الفلاح من ممتلكاته، لتظهر طبقة برجوازية تعتبر العامل المأجور من ممتلكاتها الرأسمالية". وبعد أن نهبت الرأسمالية شعوبها وبلغت مرحلة الاحتكار، أفرزت طبيعتها الاستعمارية حين خرجت تنهب الشعوب الأخرى! لذلك فالديمقراطية البرجوازية -وهي قائمة بطبيعتها على فلسفة رأسمالية- ليست ديمقراطية للشعب، كما يقول المؤلف، لأن من يحقق فيها السيادة عملياً هو الطبقة البرجوازية فقط، ومن ثم فهي ديمقراطية صورية؛ ترتفع في إطارها شعارات الحقوق والمساواة والحريات المختلفة، لكن من يسيطر على البرلمان والأحزاب وباقي المؤسسات، ويحدد سياسة الدولة ويملك كافة أدوات الإنتاج والتأثير ويسيطر على مراكز القرار... هو الطبقة البرجوازية التي تملك الثروة وتقبض -بالتالي- على السلطة. ويضرب المؤلف مثلاً على الديمقراطية الصورية بديمقراطية بريطانيا التي يقال إنها "أم الديمقراطيات" في العالم؛ لكنها في رأيه ليست أكثر من أسهم لحزبين متنافسين على خدمة الرأسمالية؛ "حزب المحافظين" (تاتشر) الذي رسخ سياسة الليبرالية الجديدة في سيطرة رأس المال على السوق، و"حزب العمال" (بلير) الذي شارك في الحرب على العراق "كي يكون للرأسمال البريطاني سهم في السرقة المأمولة". وطوال فصله المعنون بـ"الديمقراطية البرجوازية"، لم يتوقف المؤلف عن ذكر الأمثلة التي تبين زيف الديمقراطية الرأسمالية، بما في ذلك الاستعمار الحديث وما رافقه من نهب وقهر وطغيان، وقيام دولتي الولايات المتحدة وأستراليا وما صحبه من إبادة جماعية ضد السكان الأصليين، وبشاعات الحربين العالميتين (الأولى والثانية)، والقمع الذي ووجهت به ثورات أميركا اللاتينية والثورة الطلابية في أوروبا وأميركا، وتأسيس الكيان الإسرائيلي في فلسطين، وحروب التوسع الأميركية منذ عدة عقود، والدور الاستخباراتي الغربي في إسقاط عدة حكومات منتخبة، ومناهضة الخيارات الشعبية عبر صناديق الاقتراع في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية... ليصل من ذلك إلى أن "الديمقراطية وهم وأسطورة، منذ عصر العبودية، وحتى يومنا هذا"! أما في الفصل الثالث والأخير، وعنوانه "الديمقراطية الاشتراكية"، فلنا أن نتوقع إلى أي مدى يبشر المؤلف بـ"النهاية الحتمية للرأسمالية"، وبالجنة التي تنتظر البشرية في غدها حين تطبق الاشتراكية وتحقق نظام الملكية العامة لوسائل الإنتاج وتقضي على جميع الفروق الطبقية... أي تعود إلى المشاعية البدائية! ولعل السؤال الذي لن يفارق قارئ الكاتب، وهو يقلب صفحاته: أحقاً هناك من لازال يؤمن بالأطروحات الماركسية، ويرددها كما هي منذ قرن ونصف القرن؟ أين المؤلف إذن من كل الأحداث الكبرى والتحولات التي شهدها عالمنا طوال العقدين الماضيين؟ وما هو الموقع الذي يمنحه لمجتمعاتنا العربية ذات نمط الإنتاج المختلط (حسب التعبير الماركسي المستحدث) من التحقيب التاريخي لمسار تكون "الثورة" المنتظرة؟ وهل تفتقر هذه المجتمعات إلى شيء كافتقارها للديمقراطية؟ محمد ولد المنى الكتاب: الديمقراطية بين الوهم والحقيقة المؤلف: أحمد حسن الفقرة الناشر: نور للطباعة والنشر والتوزيع تاريخ النشر: 2007