يختصر البعض مسألة الأمن في موضوعات الأمن العسكري، معتبرين أنه قادر وحده على حماية الأوطان والشعوب. فيما يختصر بعض هذا البعض الأمن في تحالفات خارجية مع القوى العظمى، ناسين أن للأمن مفهومات أخرى أوسع بكثير من هذا الفهم القاصر. ومع تزايد الحديث عن أمن منطقة الخليج، وارتفاع وتيرته بين النخب السياسية والثقافية والاقتصادية، يبدو جلياً أننا في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في المفاهيم ومحدداتها على أصعدة الأمن كافة. وهنا نشير إلى رؤية الإسلام المتمثلة في أن "النفس والمال والدين والعرض والعقل" هي مصالح خمس بدون حمايتها ينعدم الشعور بالأمن أو ينقص بحسب فقدانها كلها أو بعضها. نكتفي هنا، في مقال اليوم، بالخطوط العامة للأمن، والعناصر الأساسية التي ينبغي التركيز عليها في هذا المجال، قبل أن ندخل في التفاصيل الخاصة بكل جانب من جوانب الأمن والحماية التي يحتاجها كل بلد على حدة، أو العناصر المشتركة بين دول الخليج العربي، ونضعها كذلك في سياقها العربي والإقليمي والدولي. ونبدأ بالتعرف إلى الجوانب الأساسية التي يمكن طرحها في إطار الحاجة إلى تحقيق الأمن الشامل لوطننا وخليجنا ووطننا العربي عموماً في ظل المناخات السائدة عالمياً وما نتعرض له من هجمات، سواء على المستوى الثقافي والإعلامي المقصود به تدمير ثقافتنا وهويتنا، في البيت والمدرسة والأسواق، أو على صعيد الهيمنة والنهب والسلب الذي من شأنه تفريغ المنطقة من طاقاتها وإمكانياتها وتدمير قدرتنا على المقاومة والنهوض. في الإطار العام يمكن تعريف "الأمن" بأنه إحساس الفرد والجماعة بإشباع دوافعهما العضوية والنفسية وعلى رأسها دافع الأمن بمظهريه المادي والنفسي المتمثلين في اطمئنان المجتمع إلى زوال ما يهدد مظاهر هذا الدافع المادي: كالسكن الدائم المستقر والرزق الجاري والتوافق مع الغير، والدوافع النفسية المتمثلة في اعتراف المجتمع بالفرد ودوره ومكانته فيه، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بلفظ السكينة العامة، حيث تسير حياة المجتمع في هدوء نسبي. هذا إضافة إلى الجهود التي تبذلها الدول لتثبيت الشعور بالأمن لدى المواطنين بالعمل على منع -أو التقليل من فرصة- ارتكاب الجريمة وتتبع مرتكبيها وضبطهم وجمع الأدلة وتقديمهم للقضاء. هذا على الصعيد الداخلي المجتمعي للأمن. وهناك ما يتعلق بالأمن تجاه الخارج، حيث الأمن يرتبط بحالة التوازن الاجتماعي التي تتحقق في الدفاع عن مجتمع ما بفعل الجهود المبذولة من قبل الدولة وأفراد المجتمع لتحقيق الرفاهية والتقدم الاجتماعي. ويشير هذا التعريف إلى أن عمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تتحقق للمجتمع في غياب الأمن. إذن نحن أمام مجموعة من العناصر المتداخلة التي لابد من تناولها بعين الاعتبار لتحقيق الأمن الشامل، ولا يجوز أن نلغي واحدة لحساب الأخرى ما دمنا نريد أمن الوطن والمواطن. ونعتقد أن التركيز على الأمن العسكري لا يعني هروباً من حروب الداخل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي هي دروع أساسية لحماية البلاد والعباد. فتحصين بلد ما يبدأ من الداخل أولاً، وتحديداً من النواة الأولى المتمثلة في الأسرة، وذلك بتنمية الروح الوطنية لدى الأبناء في ظل مناخات آمنة يشعرون معها بالانتماء والاندماج الكافيين لجعله مواطناً يشعر بأهمية مواطنته في مجتمع الحرية والمساواة والعدالة. مجتمع يتيح لأبنائه ما ينبغي-وما يحتاجون إليه- من الحريات، حرية الفكر والاعتقاد والمشاركة، ما يجعل له دوراً ومساهمة في بناء المجتمع والدولة، لأنه من دون هذه المساهمة يظل الإنسان يشعر بالتهميش واللاجدوى من العمل، وبذلك نحرم الوطن من طاقات أبنائه ومن دورهم في حمايته، ونكتفي بتصورات للأمن تقوم على دور القوة العسكرية. ما نحتاج إليه هو نظرة شاملة إلى مفهوم الأمن، نظرة تتناول المجتمع بكل همومه وقضاياه، وتسعى إلى تقديم تصور واضح وشامل لكل هذه القضايا، ولا تكتفي بحلول على السطح سرعان ما تتلاشى في الأدراج أو في الممارسات البيروقراطية القاتلة. نحتاج رؤية جديدة أيضاً يسهم في وضعها علماء وخبراء في اختصاصات عدة، يقدمون من خلالها الحلول الناجعة لمشكلاتنا المستجدة والمتفاقمة باستمرار، رؤية تحمل روح المنطقة ونكهتها وملامح تراثها وحاضرها وترى مستقبلها. وهو ما يمكن أن نتناوله بالتفصيل في مقالات أخرى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي - دبي