لم يعدّ مضمون التوطين يعني مجرد إحلال العمالة المواطنة محل العمالة الوافدة، ولكن يتسع ليشمل توفير مزيد من فرص العمل الجديدة أمام المواطنين، بل ويتسع أكثر ليشمل الاقتصاد بعناصره الإنتاجية كلها بما فيها الإدارة والعمل والتكنولوجيا ورأس المال، كما لم يعد التوطين بهذا المفهوم الشامل مسؤولية جهة أو جهات حكومية بعينها، بل مسؤولية وطنية جماعية. فالقطاعات الحكومية والعامة، محلية كانت أم اتحادية، والتي ظلت بمنزلة الملاذ شبه الوحيد لتوظيف المواطنين، طوال السنوات الماضية، لم تعد كذلك في ظل تشبعها من الوظائف، فيما تنتظر هذه القطاعات مستجدات مهمة مثل الخصخصة وإعادة الهيكلة، وكليهما متغيران يدفعان باتجاه التخلص من أنواع البطالة المقنعة كلها والوظائف الهامشية وغير المنتجة، وما أكثرها في هذه القطاعات، ما يعقد من مهمتها التوطينية مستقبلاً، بل لا يستبعد أن تلعب دوراً سالباً في هذا المضمار، وعندها ستتضاعف مسؤولية القطاع الخاص. إلا أن هذا الأخير نفسه يعاني جملة اختلالات هيكلية متعددة الوجوه ومتفاوتة الأعماق تعرقل عملية استقطاب القوى العاملة المواطنة، وتتطلب معالجات جذرية شاملة. وحتى في ظل تطور التعليم والتدريب كماً وكيفاً بدرجة كبيرة، حيث لم تعدّ مؤسساته اليوم تغرد بعيداً خارج السرب كما كانت في السابق، بل أصبح العديد منها يحتضن تخصصات فنية دقيقة هي من صميم توجهات القطاع الخاص، فإن هذا وحده لن يكون كافياً لإصلاح الخلل في سوق العمل في القطاع الخاص الذي له متطلبات أخرى عديدة غير التأهيل المهني والعلمي، كما أن المواطن نفسه له مطالب تبدو هي الأخرى أكثر بكثير من مجرد قبول القطاع الخاص توظيفه. وهكذا فالنظرة الضيقة لقضية التوطين لم تعد مجدية، كما أن المعالجات التقليدية هي الأخرى بعيدة عن الواقع، بل وقد تفرز في حالات عدة نتائج سلبية في مضمار التوطين نفسه على المدى البعيد. فعلى سبيل المثال، فإن "النموذج" الأول للتوطين بالمحاصصة، متمثلاً في القطاع المصرفي، فشل في الوفاء بالتزاماته، رغم تركيز الجهات المعنية جميعها بالتوطين في الدولة اهتمامها على توطين هذا القطاع خلال السنوات العشر الماضية، حين ألزمت هذا القطاع بزيادة توظيف المواطنين بنسبة 4% سنوياً، وكانت النتيجة أن الذين يتركون العمل في هذا القطاع "النموذج" من المواطنين سنوياً يقارب الداخلين الجدد إليه، فأضحى بذلك هذا القطاع ساحة لتدريب وتأهيل المواطنين قبل انتقالهم للعمل في القطاعات الأخرى، وهو أمر له سلبياته الخطيرة على مستويات الإنتاجية، رغم أن هذه السلبيات قد لا تبدو واضحة، اليوم، بسبب الازدهار الاقتصادي الذي تمرُّ به القطاعات المختلفة. المطلوب إذن نظرة موضوعية شاملة للتوطين تتبلور من خلال حوار وطني جامع تسهم فيه كلُّ الأطراف ذات الصلة. وإن "معرض الإمارات للوظائف" الذي انطلقت فعالياته، أمس، بمشاركة 179 جهة حكومية وشبه حكومية ومؤسسات عالمية، بالإضافة إلى القطاع الخاص، يعدّ المكان الأنسب لاستضافة مثل هذا الحوار الدوري، للخروج برؤى واقعية تنسجم مع سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تنتهجها الدولة، حالياً، والتي تفرض نوعاً من التوازن أثناء تنفيذ سياسة التوطين، التي تعدّ عملية مستمرة ولكنها متجددة أيضاً، فهي لا تسير بوتيرة واحدة وإنما تشكل كمّاً وكيفاً ومضموناً، وفقاً لمتطلبات كل مرحلة على حدة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.