في ظل تصاعد الحوار الجاري الآن حول الدور الأميركي بالعراق، جاء في آخر مقترحات المعالجة، أن يُقسم العراق "تقسيماً ناعماً" لا أدري مدى اختلافه عن "التقسيم الخشن"، إلى جانب زيادة عدد القوات الأميركية هناك. وفي اعتقادي الشخصي أن هذا الخيار، سيخفق هو الآخر، في تدشين عراق جديد ومستقر، إن كان هذا هو الهدف النهائي من الجهد المبذول الآن. ويشير مفهوم "التقسيم الناعم" للعراق، إلى إنشاء حكومة مركزية عراقية واهنة، مع إنشاء ثلاث أو أربع حكومات إقليمية قوية، إلى جانب التقسيم الجغرافي السياسي، بمساعدة أميركية، إلى ثلاثة أقسام رئيسية، على أساس عرقي ديني، بحيث يخصص كل قسم منها للمسلمين الشيعة والسنة والأكراد. كما يخصص لكل من هذه التكتلات العرقية الدينية الثلاثة، نصيبها من عائدات النفط العراقي. وبالنسبة للمسلمين السُنة العرب، فهم القسم الاجتماعي الذي يقطن المناطق الأقل حظاً من الموارد النفطية. لكن ومع ذلك، فستخصص لهم نسبة 20 في المئة من تلك الموارد، طالما أنهم يشكلون نسبة 20 في المئة من إجمالي الكثافة السكانية العراقية. ويدفع دعاة "التقسيم الناعم" للعراق بحجة أن الفيدرالية الواهنة- القائمة على هذا الأساس العرقي الديني- تعكس الواقع الفعلي للعراق، طالما أن الحقيقة هي أنه يستحيل الحفاظ على وحدته، بآلية الدولة المركزية الموحدة. ويقيم هؤلاء حجتهم على العداءات والتحرشات الطائفية العرقية المستشرية بين شتى المجموعات، ومحاولة كل مجموعة لإبادة الأخرى وتطهيرها عرقياً ودينياً. ثم يضيف دعاة هذه الفكرة وأنصارها القول، إن هذا الحل ليس أميركياً يراد فرضه فرضاً على العراقيين، وإنما هو فكرة عراقية نابعة من صلب نصوص الدستور الوطني الجديد. غير أن الحقيقة الباقية، رغم كل هذه الحجج، هي أنه بمجرد التفكير في"التقسيم الناعم" للعراق، هناك قراءة خاطئة للواقع العيني المعاش. فالشاهد أن العراقيين، وعلى رغم محاولات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تستهدفهم، ظلوا خليطاً اجتماعياً، تكثر الزيجات المختلطة بين فئاته وطوائفه، وظل العراقيون قادرين على تشكيل تلك الفسيفساء الاجتماعية، التي لا سبيل لتغييرها إلا بوسائل التخويف والعنف وحملات القتل الجماعي المستمرة. وكما تشير سلسلة استطلاعات الرأي التي أجريت بينهم خلال السنوات الأربع الماضية، أكدت الغالبية العراقية رغبتها في أن تظل بلادهم موحدة. فعلى سبيل المثال، أشار التقرير الصادر عن "المعهد الجمهوري الدولي" في يوليو عام 2006، إلى أن نسبة 66 في المئة من العراقيين، تعارض فكرة تقسيم العراق، سواء على أساس طائفي أو عرقي. غير أن دعاة "التقسيم الناعم" للعراق، يدفعون بالقول إن الدستور العراقي الجديد، الذي نص على هذا النوع من الفيدرالية الواهية التي ينادون بها، كانت قد أجازته أغلبية شعبية، عبر استفتاء أجري لذلك الهدف في عام 2005. وعلى رغم صحة هذه الحقيقة، إلا أنها تسقط حقيقة أخرى لا سبيل إلى تجاهلها، وهي أن العراقيين إنما أجروا استفتاءً شعبياً على إجازة الدستور كله، وليس على نصوصه الجزئية، كالتي أشار إليها دعاة التقسيم. وقد تم تشجيع العراقيين على الإدلاء بأصواتهم لصالح مسودة الدستور الجديد، ليس من قبل الأحزاب السياسية المتنافسة فحسب، وإنما من قبل كبار قياداتهم الدينية والاجتماعية، على نحو ما فعلت كبرى المرجعيات الشيعية وقتئذ. أما اللغة الدستورية الواردة حول صيغة الفيدرالية وتوزيع الموارد الطبيعية للبلاد في الوثيقة المذكورة، فقد جاءت انعكاساً لصفقة سرية أبرمت وراء الكواليس، بين التحالف الكردي، وطرف واحد من الأطراف الشيعية، ألا وهو "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق". وقد أبرمت هذه الصفقة النهائية، في تجاهل تام لكافة الأطراف الأخرى، ولكافة فئات المجتمع العراقي نفسها. ولا ريب في أن الأكراد يرغبون في الاستقلال بإقليمهم، وأن في وسعهم تقديم حجج قوية داعمة لتحقيق رغبتهم هذه. لكن وعلى رغم رغبة الاستقلال هذه، فقد دفعت الواقعية السياسية قياداتهم إلى تفضيل البقاء في ظل الوحدة العراقية حالياً. وتستغل الأحزاب الكردية قدرتها السياسية النسبية في زيادة فرصها المستقبلية في الاستقلال. ويفترض ألا تواجه انفصال الإقليم الكردي إلى منطقة استقلال ذاتي، تتمتع بالمزيد من السلطات الإقليمية، أية عقبات أو تعقيدات تذكر، إلا في حال فشل الأكراد في تقديم التنازلات السياسية اللازمة، بشأن السيطرة على مدينة كركوك التاريخية، التي توجد بها نسبة 12 في المئة من احتياطيات النفط العراقية الأكيدة. أما موقف "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" فيمثل حالة مختلفة في هذه الصفقة المشار إليها آنفاً. فعلى رغم تمتعه بسطوة سياسية، مردها إلى ميليشياته المسلحة المدعومة من قبل إيران، فإنه يفتقر إلى التأييد الشيعي الداخلي. وللتعويض عن هذا الضعف، لجأ المجلس المذكور إلى اقتراح الصيغة المحددة التي وردت في نص الدستور: ألا وهي إقامة "إقليم شيعي كبير" يغطي كافة المحافظات الشيعية التسع، الواقعة جنوبي البلاد، مع العلم أن هذه المنطقة، تحوي ما يتراوح بين 70 إلى 80 في المئة من احتياطيات النفط العراقي. وكانت تلك الصيغة التي تم تضمينها إلى صلب الدستور، هي التي أثارت الخلاف أو النزاع الطائفي الجاري اليوم، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا النزاع، يشمل الطائفة الشيعية نفسها. وبالنتيجة فقد رفض غالبية التحالف الشيعي، تلك الصيغة، على رغم تأييدهم النسبي لفكرة لامركزية السلطات. أما المسلمون السُنة العرب، فهم ليسوا أقل خلافاً ولا انقساماً فيما بينهم. إلا أنهم يتفقون على أمر واحد، هو رفضهم المؤكد لأي صيغة فيدرالية، لا تؤمن لهم نصيبهم من عائدات النفط، بينما تحرمهم تماماً من السلطة. وعلى رغم علمهم بأنه لم يعد من سبيل أمامهم اليوم لاستعادة قبضتهم السابقة على جهاز الدولة المركزية القوية، بحكم طغيان الأغلبية الشيعية، إلا أنهم يرفضون في الوقت ذاته، الصيغة الفيدرالية التي مررها إلى الدستور، "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق". والحال هكذا، فإن السؤال الذي لا بد منه هو: أي فيدرالية يقصد دعاة التقسيم إذن؟! جوست هلترمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نائب مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في" مجموعة الأزمات الدولية" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"