فاجأت المملكة العربية السعودية حتى أكثر المراقبين تخصصا في أدائها الدبلوماسي وسياساتها الخارجية. اذ تحولت دون أن يشعر أحد من ردود الفعل إلى المبادرات الكبيرة ومن شراء الرضا إلى المخاطرة والمواقف الواضحة ومن الدبلوماسية الصامتة إلى الدبلوماسية المتكلمة ومن سياسات "تحت المائدة" إلى سياسات المسرح المفتوح. بل ويمكن القول إن السعودية فاجأت نفسها ليس فقط بالنجاح الذي حققته على المستوى الاعلامي الدولي والإقليمي بل وأيضا بحصولها على ما استنكفت الحصول عليه طويلا وهو "القيادة الإقليمية". وخلال الأسابيع القليلة الماضية وخاصة بعد نجاح مؤتمر مكة للمصالحة الفلسطينية كان السؤال المطروح في الإعلام ودراسات العلاقات الدولية على السواء هو "لماذا تراجع الدور المصري بينما تقدم الدور السعودى؟". إذا شئنا أن نقدم تفسيرا أكاديميا فهو سهل المنال. اليوم تملك السعودية موارد قوة أو ما نسميه أوراقا أكثر بكثير مما تملكه مصر في الميدانين الاقليمي والدولي. غير أن هذا التفسير لا يقدم لنا الكثير. فقد كان هذا هو الواقع الموضوعي منذ عقدين من الزمن. ما حدث هو أن المزاج السعودي تغير فتغيرت السياسات والأداءات ولو جزئيا. ولا يقتصر التغير في المزاج على الصفوة أو نخبة الحكم وحدهما بل ويمتد إلى المجتمع ككل أيضا. فهناك مراحل تشهد انكماشا على النفس ومراحل أخرى تشهد رغبة قوية في التمدد الخارجي. وقد مرت مصر بهذه المراحل عدة مرات. فكانت تتمدد أثناء حكم محمد علي (1805-1849) ثم بدأت مصر تنكمش على نفسها أثناء السنوات الأخيرة من حكم محمد علي ذاته وخلال سني حكم ابنه الخديوي عباس (1849-1854). ثم مرت مصر بمرحلة تطلع حذر نسبيا على العالم الخارجي أثناء حكم الخديوي سعيد وانطلاقة قوية في العالم الخارجي أثناء حكم اسماعيل (معا بين 1854و1879). وانتهت هذه المرحلة باحتلال مصر في عهد الخديوي توفيق الذي تميز عهده وعهد خلفائه بانكماش واضح على الذات حتى بدأت ارهاصات الحركة الوطنية المصرية تعود من جديد في السنوات الأولى من القرن العشرين على يد زعماء الحزب الوطني الجديد وصولا إلى ثورة 1919. وبانطلاق ثورة 1952 قامت مصر بدور قيادي وهجومي جبار استهدفت فيه تصفية الاستعمار وتحدي الاستعمار الجديد. وانتهت هذه المرحلة موضوعيا بعد هزيمة 1967 حتى في ظل الرئيس عبد الناصر. واذا بالرئيس السادات يترجم المزاج الانكماشي الذي ساد مصر بعد الهزيمة لا من خلال التحول إلى استراتيجية دفاعية في السياسة الخارجية فحسب بل وأيضا من خلال انقلاب جوهري إلى نقيض السياسات الناصرية: أي التحالف مع الاستعمار الجديد واللحاق بركبه. وتوجت زيارته للقدس هذه الاستراتيجية الجديدة. ما حدث هو أن مصر عاشت فورة هائلة انبثقت فيها طاقة فعل هائلة وفرت قوة دفع كبيرة لمشروع خارجي متكامل خلال المرحلة الثورية (1952-1967). شمل هذا المشروع محاولة تغيير المعطيات الاقليمية والعالمية بتشكيل حركة عدم الانحياز والتحالف مع الاتحاد السوفييتي ومحاولة تحقيق الوحدة العربية ودعم الثورات والقوى الثورية في المحيطين العربي والاقليمى. وما أن وقعت هزيمة 1967 حتى اضطرت مصر لمراجعة ذاتها ونقد أدائها الثوري بالقول بأنها تجاوزت بكثير إمكانياتها الموضوعية. وسريعا ما تحولت المراجعة إلى مصالحة ثم إلى انقلاب في جوهر ومضمون التوجهات الخارجية ثم إلى انكماش واضح للغاية على الذات خلال السنوات الأخيرة. وببساطة بدت مصر وكأنها استنفدت فورتها الثورية وسكنت إلى الراحة أو ربما إلى "الثورة المضادة". ومن أشد ملامح هذه المرحلة طرافة أن مصر أعلنت سياسة الانفتاح منذ عام 1974 ولكنها لم تكن أشد انغلاقا على ذاتها ثقافيا بالمعنى الواسع للكلمة مما كانت عليه خلال هذه الفترة ذاتها. وبينما جاب أبناؤها العالم كله شرقا وغربا في أوسع موجة للهجرة في تاريخ مصر المديد فإنهم تلفعوا بذاتهم الثقافية واعتصموا بها إلى درجة الشك الكامل في كل الثقافات الأجنبية وعلى نحو لم يحدث خلال القرنين الماضيين. كان وراء هذا التحول الكبير ما هو أكثر بكثير من مجرد المراجعة بغرض ملاءمة السياسة الخارجية مع الظروف الموضوعية المتغيرة. ولم تكن الدعوة للتواضع في تعيين الأهداف الدولية والعربية وهي الدعوة التى بدأت فور هزيمة 1967 مجرد ترجمة للواقع الذي شهد تراجع القدرات الفعلية والموارد والامكانيات المتاحة للسياسة الخارجية. بل شكلت مزاجا جديدا دفع بذاته إلى الانكماش على الذات والانسحاب من العالم الخارجي والعربي إلى مدى أبعد كثيرا مما تمليه الحقائق الخام أو الموضوعية للسياسة الخارجية. وفي نفس هذا الوقت تقريبا الذي بدأت فيه ثقة المصريين بأنفسهم تتزعزع بدأت ثقة السعوديين بأنفسهم وبما يملكونه تنمو بالتدريج. ولا شك أنه كانت ثمة فجوة زمنية بين نمو القدرات والموارد السعودية من ناحية وتدشين توجهات المبادرة بالفعل الخارجي من ناحية أخرى. والواضع أن هذه الفجوة الزمنية لا زالت قائمة إلى حد كبير. ومع ذلك فإنه لا يمكن إغفال أن المملكة كانت قد أخذت تصنع مبادراتها الخاصة لأول مرة في المحيط العربي وبصورة علنية منذ عام 1982 عندما أقر مؤتمر القمة العربي بالمغرب ما كان يعرف في ذلك الوقت بـ"مبادرة الأمير فهد" والتي دعت إلى السلام مع اسرائيل بشرط الوفاء بحقوق الشعب الفلسطيني. وتجددت نفس هذه المبادرة بعد ذلك بعشرين عاما في مؤتمر قمة بيروت باسم "مبادرة الأمير عبد الله". وكانت السعودية قد قامت بالدور القيادي في انهاء الأزمة اللبنانية من خلال اتفاقية الطائف عام 1989. وسريعا ما بدأت المبادرات الدبلوماسية تتولى وصولا إلى لقاء الملك عبد الله بالرئيس الايراني أحمدي نجاد أخيرا. وربما نشهد اداء ديناميكيا جديدا في مؤتمر القمة العربي القادم في السعودية. ثمة مشهد أكثر ديناميكية ورغبة مؤكدة في الحصول على مكانة القيادة العربية. ولكن هل نشهد توجهات جديدة في مضمون السياسة الخارجية والعربية للمملكة السعودية؟ الواقع أنه ليس هناك ما ينبىء بذلك حتى الآن. اذ اتسمت هذه السياسة منذ فترة طويلة بهدف متناقض: إشاعة النموذج الثقافي والرؤية السعودية للإسلام في بقية الدول والمجتمعات العربية من ناحية والدعوة إلى الواقعية السياسية في السياسة العربية والتحالف مع الولايات المتحدة في المستويين الدولي والاقليمي من ناحية أخرى. إنك تشهد هذا التناقض المستفحل في الإعلام الممول من المملكة والأسر السعودية الكبيرة ذات الصلات العميقة مع مؤسسة الدولة. ومن المعتقد أن العمل الخارجي على مسارين متناقضين يخدم في النهاية هدف توسيع وتعميق البنية الأساسية للنفوذ السعودي في الوقت الذي ينكمش فيه النفوذ المصري بل ونفوذ جميع الدول العربية الكبيرة الأخرى. ومع ذلك فإن هذا التناقض يقيد الأداء السعودي وخاصة في المستوى العربي. ولا بد أن ينفجر في يوم من الأيام بقوة المنطق والاختيارات التاريخية. وعندما يأتي هذا اليوم سنشهد مرحلة جديدة أو مزاجا جديدا يتحتم أن يكون ليبراليا أو متشددا هجوميا أو دفاعيا يندفع إلى التمدد أو يعود إلى الانكماش على الذات. هل تفسر تحولات المزاج السياسي والثقافي كل شيء في السياسة الخارجية؟ ربما كان الأمر كذلك وربما لا يكون.