مما لاشك فيه أن الاتفاقية التي جاءت نتاج المحادثات سداسية الأطراف التي تم التوقيع عليها مع كوريا الشمالية الشهر الماضي، تستحق الإشادة باعتبارها خطوة أولى ضرورية على درب تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة. وإذا كان جزء كبير من برنامج كوريا الشمالية النووي ما زال يلفه الغموض -فهذا الأسبوع فقط، حثت الولايات المتحدة الكوريين الشماليين على الكشف عن أي أنشطة لتخصيب اليورانيوم- فإن ثمة عدداً من الأمور التي لا نعرفها من قبيل طبيعة وحالة المفاعلات التي تتوفر عليها. يَستعمل مفاعل كوريا الشمالية في يونجبيون -وهو الوحيد الذي يعمل حالياً- المكونات نفسها التي استُعملت في أول مفاعل يتم تصميمه في العالم، والتي تم اختبارها من قبل "إينريكو فيرمي" في جامعة شيكاغو عام 1942. أفضل التقديرات تشير إلى أن مفاعل "يونجبيون" أنتج نحو 100 باوند من البلوتونيوم منذ أن بدأ نشاطه بصورة كاملة عام 1990. وهو ما يكفي لصنع ما بين ست وثماني قنابل نووية. (يذكر هنا أن الكوريين الشماليين استعملوا نحو ستة كيلوجرامات في التجربة النووية التي أجروها في التاسع من أكتوبر). وعلى ما يبدو، فإن أشغال بناء المفاعلات الأكبر في كوريا الشمالية كانت قد عُلقت قبل توقيع الاتفاق، وذلك لأسباب تقنية مختلفة. والواقع أن الكوريين الشماليين تحلوا بالشفافية بخصوص برنامج المفاعلات، ولكنهم كانوا بالمقابل غامضين بخصوص برنامجهم الذي يجعل اليورانيوم الطبيعي مناسباً للأسلحة النووية باستعمال أجهزة الطرد المركزي. وإذا كنا نعلم وجود برنامج من هذا القبيل، فإننا لا نعلم موقعه مثلما لا نعلم كمية اليورانيوم التي قام بتخصيبها، في حال كان ثمة تخصيب أصلاً. ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن إخفاء أجهزة الطرد المركزي أسهل مقارنة مع المفاعلات النووية. ويمثل برنامج أجهزة الطرد المركزي الكوري الشمالي درساً مفيدا في الانتشار النووي؛ حيث تقود خيوطه إلى ربيع عام 1945، عندما كان الروس يتقدمون على ألمانيا في الحرب. وكانت ترافق الجيش السوفييتي حينها مجموعة من علماء الفيزياء النووية والذرية الذين كانوا يبحثون عن علماء الفيزياء الألمان وعن اليورانيوم المعدني، الذي أُنتج بكميات وافرة -تعد بالأطنان- من قبل شركة "أوار"، التابعة لشركة "ديجسا" الكيميائية، نظراً لاستغلال المساجين في مخيمات الاعتقال في الأشغال. فتمكن السوفييت من أخذ نحو 300 طن من اليورانيوم المعالَج معهم. في 1945 أخذ السوفييت مجموعة من العلماء والمعدات معهم، وأقاموا مختبرات في "سوخومي" الواقعة على البحر الأسود في جورجيا. وفي صيف 1946 انضم إلى هذه المجموعة عالمُ الفيزياء النووية النمساوي "جيرنوت زيابي، الذي لم يعمل من قبل في ميدان الطرد المركزي. إلا أنه تمكن في غضون عامين من خلق أفضل جهاز طرد مركزي في العالم بتعاون مع زملائه -وإن كانوا وقتها يجهلون ذلك. (ولإعطاء فكرة حول قدرات هذا الجهاز وأدائه، فإذا كان جهاز طرد مركزي عادي يقوم ببضعة آلاف دورة في الدقيقة، فإن جهاز "زيابي" للطرد المركزي -وهذا هو اسمه المتداول، وإن كان "زيابي" نفسه يشير إليه بـ"جهاز الطرد المركزي الروسي"- يمكنه أن يقوم بـ90000 دورة في الدقيقة). في 1956 سُمح للدكتور "زيابي" بالعودة إلى ألمانيا. وبالرغم من أنه لم يُسمح له بأخذ أي وثائق معه، إلا أنه بدأ يقدم خدمات استشارية للشركات المهتمة بالطرد المركزي، ومن بينها "ديجسا". وفي 1964، تم تأميم الشركات الألمانية الخاصة، ومن بينها الشركة التابعة لـ"ديجسا" التي كانت تقوم بأنشطة الطرد المركزي. غير أن هذه الشركات الوطنية أصبحت في 1970 جزءاً من مجموعةِ شركاتٍ دولية تدعى "أورينكو". وكان للألمان فرع في مدينة "ألميلو" الهولندية؛ انضم إليه في 1972 عالم معادن باكستاني يدعى عبدالقادر خان. ولما كان هذه الأخير يجيد التحدث بالألمانية والهولندية، فقد أنيطت به مهمة ترجمة مخططات الطرد المركزي الألمانية إلى الهولندية. وهكذا، تعرف "خان" على النسختين الألمانية والهولندية لجهاز "زيابي" للطرد المركزي. في 1974، قامت الهند بتجربة نووية تكللت بالنجاح. ونتيجة لذلك، وجه الرئيس الباكستاني حينها ذو الفقار علي بوتو دعوة إلى العلماء الباكستانيين في الخارج من أجل العودة إلى البلاد والمساعدة على صنع قنبلة نووية. وقد كان "خان" واحداً ممن بادروا بتلبية هذه الدعوة، وجلب معه مخططات مسروقة لجهاز "زيابي" للطرد المركزي. والواقع أن السياق هنا لا يسمح بالخوض بإسهاب في أنشطة الدكتور "خان"، التي شملت عدداً من البلدان مثل ليبيا والصين -ناهيك عن إيران، التي تحمل أجهزتُها الخاصة بالطرد المركزي بصمات باكستانية. وبحلول عقد التسعينيات كان الدكتور "خان" يتبادل معلومات حول الأسلحة مع الكوريين الشماليين مقابل معلومات مماثلة حول قذائفهم بعيدة المدى. وإذا كنا نعلم أنه أعطاهم مخططات الطرد المركزي، وربما أيضاً عينات منها أيضاً، فإننا لا نعلم ما إن كان قد أعطاهم مخططات بخصوص السلاح النووي، مثلما فعل مع الليبيين. كما لا نعلم إلى أي مدى شاركت الحكومة الباكستانية في هذا الأمر. وبالمقابل، فمن المؤكد أن الجيش كان ضالعاً في العملية، حيث استُعملت طائرات عسكرية لنقل المواد؛ غير أن باكستان نفت أي مشاركة لها في الأمر. ومما يُذكر في هذا الإطار أن الدكتور "خان" يوجد حالياً قيد الإقامة الجبرية، ولم يُسمح لأي مسؤول من الاستخبارات الأجنبية بمحاورته. وإذا كان الكوريون الشماليون قد اعترفوا بتوفرهم على برنامج للطرد المركزي، فإنهم لم يتركوا أي مراقب أجنبي يراه. والواقع أنه كان من الممكن أن يتم الترخيص لمثل هذا البرنامج، في حال كان محدوداً، بموجب "اتفاقية حظر الانتشار النووي". غير أن ذلك يعني أنه كان على الكوريين الشماليين أن يُبلغوا "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بذلك، والتي كان سيحق لها بالتالي تفتيشه. والحال أن أي شيء من هذا القبيل لم يحدث؛ فربما كان الكوريون الشماليون يؤثرون الغموض. أما تخميني، فهو أنه في حال كان لديهم برنامج نشط للطرد المركزي، فلابد أنه صغير ومحدود نسبياً. وإذا كانت الاتفاقية التي أبرمناها معهم لا تقول أي شيء بخصوص هذا البرنامج، فمن الواضح أنه علينا أن نلحَّ على ضرورة معرفة حجمه وقدراته. ـــــــــــــــــــــــــــ مؤلف كتاب مقبل بعنوان "البلوتونيوم: نظرة تاريخية لأخطر عنصر في العالم" ـــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"