أشار مقال نشر في صحيفة "واشنطن بوست" الأسبوع الماضي إلى أن إدارة الرئيس بوش تفتقد خطة إسناد في حال تعثرت استراتيجية الرفع من القوات الأميركية، ولم تنتهِ إلى النتائج المرجوة. وأنا أتساءل عما إذا كانت لصحيفة "واشنطن بوست"، أو غيرها من الصحف خطة إسناد خاصة بها إذا ما نجحت فعلاً استراتيجية بوش. فقد دأب بعض أبرز الصحفيين على نشر تعليقات لفترة من الوقت تفيد بأن الحرب مسألة ميئوس منها، وبأنها فشلت تماماً ولم يعد ممكناً تصويب الأوضاع حتى مع الزيادة في عدد الجنود لمكافحة التمرد. وهكذا ساد اعتقاد على نطاق واسع في واشنطن بأن إرسال قوات إضافية إلى العراق في ظل نتائج الانتخابات التشريعية مستحيل من الناحية السياسية. وزاد من تعقيد الوضع أن القوات الإضافية لم تكن موجودة أصلاً، بل حتى في حال تواجدها جزم البعض ألا تحسن في الوضع الأمني سيظهر في الأفق. وخلال أربعة أشهر بعد ذلك ذُللت العقبات السياسية التي خيل لبعض الوقت أنها ستكون حجر عثرة أمام خطة نشر قوات إضافية، كما أن القوات نفسها التي لم تكن جاهزة بدأت تتدفق على العراق. ومع أن الوقت مازال مبكراً للحكم على الخطة في ظل العنف المتواصل، إلا أن هناك أدلة متواترة تشير إلى التأثير الواضح للخطة على مجريات الأمور في العراق. وهذا التغير الملموس في الوضع الأمني عقب إرسال القوات الأميركية إلى العراق لمسه الأخوان محمد وعمر فاضل من خلال مدونتهما الإلكترونية، حيث أشارا إلى أن العلامات الأولى "مُشجعة" بعدما ظهر، حسب رأيهما، التأثير النفسي لزيادة عدد القوات على المتمردين والميلشيات المسلحة. ففي الوقت الذي اقتنع فيه الجميع داخل العراق سواء من الأصدقاء، أو الأعداء، بأن الانسحاب الأميركي آتٍ لا ريب فيه، قررت الإدارة الأميركية فجأة زيادة عدد القوات الأميركية، مغيرة بذلك الأوضاع في العراق. وكما يشير إلى ذلك تقرير الأخوين فاضل "تخلى العديد من قادة المسلحين عن مواقعهم في بغداد وأماكن أخرى مفضلين مغادرة العراق". ولعل من الوجوه البارزة التي توارت عن الأنظار وآثرت الاختباء "مقتدى الصدر" الذي منع قواته من الدخول في صِدام مع الأميركيين والقوات العراقية حتى في ظل دخول تلك القوات إلى معقل ميلشياته في مدينة الصدر والاستقرار بالقرب منها. ومن المهم التذكير بأنه قبل وصول الجنرال "ديفيد بيتراوس"، القائد الاستراتيجي لقوات مكافحة التمرد في الجيش الأميركي إلى العراق، كانت القوات الأميركية تعتمد على استراتيجية مختلفة تقوم على تطهير الأحياء المضطربة من الميلشيات، ثم تسليمها لاحقاً إلى القوات العراقية التي غالباً ما تفشل في الدفاع عنها وحماية سكانها من الأذى. ويظهر الاختلاف في الخطة الجديدة حسب الأخوين فاضل في "الالتزام الذي يبديه الأميركيون اليوم إلى جانب القوات العراقية في تطهير الأحياء العنيفة والبقاء فيها لمدة طويلة تضمن عدم رجوع الميلشيات مجدداً إلى ترهيب الأهالي". ففي السابق كانت الفورة التي تشهدها الأنشطة الأميركية سرعان ما تخبو بعد انسحابها من الأحياء التي انتزعتها من المتمردين ليعودوا إليها مجدداً. أما اليوم، فقد جاءت الخطة الجديدة لتكون أكثر صرامة في تطبيق استراتيجية "التطهير والتمسك". وفي هذا الإطار يوضح "الأخوان فاضل" في مدونتهما الإلكترونية أن البغداديين "يرغبون في استمرار تواجد القوات الأميركية والعراقية في الأحياء التي يدخلونها، وأن يردعوا الميلشيات التي تستفزهم". ولاشك أن ثقة الشعب العراقي بأجهزته الأمنية وقدرتها على حمايته سيكون لها أثر كبير في تعاونه معها، حيث لوحظ في الآونة الأخيرة ارتفاع حجم المعلومات التي يدلي بها العراقيون ضد جماعات التمرد، وأفراد الميلشيات. وهكذا بدأت بغداد تعود مجدداً إلى الحياة بعد فتح المحلات التجارية لأبوابها ورجوع الأسواق إلى سابق عهدها، وهو ما يبث المزيد من الثقة في نفوس العراقيين. والنتيجة هي تنامي الأمل في إمكانية تجاوز الأزمة، لاسيما الحرب الأهلية التي كثيراً ما أثير موضوعها من قبل المراقبين والخبراء. ولا يقتصر هذا الشعور بتحسن الأوضاع على العراقيين، بل يمتد أيضاً إلى الصحفيين الأميركيين مثل "براين ويليامز" من محطة "إن. بي. سي" التلفزيونية الذي لمس هو الآخر تغيراً ملحوظاً في "الرمادي" مقارنة مع زيارته الأولى لها. فقد كانت المدينة أكثر أمناً من ذي قبل، كما قلت العمليات المسلحة بالقرب من دائرة المطار. وأوضح الصحفي الأميركي أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة في العراق القائمة على "الخروج من القواعد، وتفويض المسؤوليات، وارتياد الأحياء الصعبة، ثم المكوث بها لفترات طويلة، فضلاً عن الحديث إلى الأهالي بدأت تؤتي أكلها في النهاية". وفي هذا الإطار تمكن الجنود الأميركيون من دفع "القاعدة" إلى الوراء وإرغامها على التراجع عن مواقعها بفضل تحالف بعض زعماء العشائر والشخصيات الدينية الوازنة مع القوات العراقية والأميركية كنتيجة منطقية للحوار الجاري بينهما. وليس غريباً في ظل هذا التغير الواضح على الصعيد الأمني أن يعقبه تغيير على الصعيد السياسي أيضاً. لذا يبدو الوصول إلى اتفاق وطني حول تقاسم مداخيل النفط وشيك التحقق، بل هو في طريقه إلى المصادقة. هذا وتم أيضاً تطهير وزارة الداخلية من العناصر الفاسدة والفئات المتطرفة التي اتهمت بممارسة القتل والتعذيب، فضلاً عن الانقسامات التي بدأت تظهر في الائتلاف الشيعي الذي كان تحالفه أحد أسباب تفاقم العنف الطائفي. وبالطبع مازال العنف منتشراً في العراق تقف وراءه الجماعات السُّنية المتمردة التي تسعى إلى إفشال خطة بوش الجديدة في العراق، لكن عملياتها باتت تركز على أهداف ضعيفة في المحافظات البعيدة. وعلى رغم احتمال بروز "جيش المهدي" مجدداً بعد فترة من الزمن، إلا أنه لا يمكن تأجيل فرض الأمن طويلاً والانتظار إلى ما لا نهاية. روبرت كاجان باحث بارز في معهد "كارنيجي" للسلام الدولي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"