عندما كنت طفلاً صغيراً في "سان فيليكس دي غوايانا"، وهي بلدة فنزويلية تقع على ضفتي نهر "أورينكو"، كان الأطباء الذين يقدمون خدماتهم لسكان المنطقة من الولايات المتحدة. وكان والدي، وهو محامٍ نزيه ظل طيلة حياته من دون عمل، معجباً بالولايات المتحدة ويكن لها احتراماً كبيراً؛ ومع مرور الزمن، نقل إليَّ والدي هذا الشعور. ومن بين أول الكتب التي أهداها لي سيرة حياة الرئيس جون كينيدي. بيد أن كل هذه الأمور باتت اليوم من الماضي. فالأطباء الذين يعملون حالياً في البلدة التي أنحدر منها كلهم كوبيون. والحقيقة أن واحدة من أهم معارك تحديد العلاقات المقبلة بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية إنما تُخاض في هذه اللحظة بالذات، وسط صعوبات جمة وأجواء من مشاعر العداء القديمة؛ حيث تمثل الجولة التي يقوم بها الرئيس بوش في أميركا اللاتينية -التي يزور خلالها كلاً من البرازيل والأوروغواي وكولومبيا وغواتيمالا والمكسيك قبل العودة إلى واشنطن يوم الأربعاء- هجوماً دبلوماسياً مضاداً، من الواضح أنه يروم الرد على النفوذ المتزايد للرئيس الفنزويلي "هوجو شافيز" في المنطقة. أما الهدف الرئيسي من هذه الجولة، فهو إنشاء تحالف من شأنه أن يمنح البرازيل، التي تعد عاشر أكبر اقتصاد عالمي، دوراً إقليمياً وعالمياً مهماً. ذلك أن من شأن الدعم الذي قد توفره البلدان الأربعة الأخرى التي يزورها بوش، مساعدة البرازيل على إحداث نوع من التوازن في وجه النفوذ الراديكالي المتزايد لـ"شافيز". وفي العاصمة الفنزويلية كاراكاس، يدور جدل ساخن لا نهاية له على ما يبدو عندما يتعلق الأمر بهذا الصراع على السيطرة على اقتصاديات المنطقة ومصادر الطاقة التي تزخر بها. وهنا عليّ أن أقر بأنني أشترك مع الكثير من الفنزويليين الذين لا يؤمنون بقرب حدوث تغيرات حقيقية أو معجزات دبلوماسية في تشككهم. ففي الشوارع والمقاهي، يشير أنصار "شافيز" كثيراً إلى عبارات الزعيم الثوري "سيمون بوليفار" حول الإمبريالية. والحال أن هذا الخطاب مختلف تماماً عن الخطاب الدفاعي المفعم بالخوف الذي كان سائداً في الماضي، حين كان يُنظر إلى أميركا كقوة لا يمكن إيقافها. ذلك أن النبرة السائدة اليوم هي نبرة سخط واستياء. للأسف، أعتقد أن جهود بوش الرامية إلى قلب هذا المد جاءت متأخرة جداً وبعد فوات الأوان. ذلك أن كل لفتات حسن النية -من قبيل تعهد الولايات المتحدة الأسبوع الماضي بمساعدة سكان المنطقة وإرسال (السفينة- المستشفى) التابعة لسلاح البحرية في جولة ترسو خلالها باثني عشر ميناء- ليست بكل بساطة كافية لاستدراك ما ضاع من سنوات. والواقع أن الوقت هو أكثر شيء أهدرته الإدارة الحالية للبيت الأبيض بصورة سافرة. وبالنظر للحملة الانتخابية التي تلوح في الأفق، فإن إسراع "الجمهوريين" لإعادة تنشيط الحوار مع أميركا اللاتينية لا يُنظر إليه باعتباره خطوة إلى الأمام على طريق تطوير سياسات بناءة. بل العكس من ذلك، إذ تُظهر الزيارة التفاوت والتباين الذي ما انفك يتكرس بين الرغبات الأميركية ورغبات الحركة "اليسارية" التي تتزعمها فنزويلا إلى جانب الأرجنتين وبوليفيا والإيكوادور ونيكاراغوا. لقد ازدادت مشاعر معاداة الولايات المتحدة، القوية دائماً في أميركا اللاتينية، في الآونة الأخيرة، لأسباب أهمها أن واشنطن عاملتنا منذ الحادي عشر من سبتمبر بدون اكتراث ومن دون احترام. ذلك أن الهوس الأميركي بالشرق الأوسط أضعف كل فرصة لتحقيق اندماج قاري مستديم بين الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية. حيث انتقلت الأموال التي كانت تُنفَق في السابق على برامج المساعدات التي لم تكن تحارب تجارة المخدرات فحسب، وإنما دعمت أيضاً التعليم والعدالة الاجتماعية، إلى الحرب على الإرهاب. لقد وصل الرئيس بوش إلى منطقة يبلغ عدد سكانها 570 مليون نسمة، 40 في المئة منهم على الأقل يعيشون في الفقر، و50 مليون شخص منهم يعيشون بأقل من دولار في اليوم. وعلاوة على ذلك، فإن ثمة ما يزيد على 30 مليوناً من السكان الأصليين، وهي فئة من السكان طواها النسيان ويُعتقد أنها تمثل 80 في المئة من أشد الفقراء فقراً على رغم أن العديد منهم ينتمون إلى قبائل ويقطنون بلدات تقتسم أراضيها مع الشركات النفطية والمنجمية. ولكن، هل سيساهم بوش في تغيير هذا الأمر؟ الواقع أن فقراء أميركا اللاتينية يرون أن الشخص الذي يبني جداراً بمحاذاة الحدود مع المكسيك ليس قطعاً من الأشخاص الذين يؤمنون بمزايا وفوائد اتفاقيات التجارة الحرة. هذا، وقد قام "هوجو شافيز" أيضاً بجولة في المنطقة الأسبوع الماضي، حيث شارك في تجمع خطابي في "بوينس آيريس" في الوقت نفسه الذي كان فيه بوش في الجانب الآخر من نهر "ريو دي لا بلاتا" في مدينة مونتيفيديو بالأوروجواي. وقد خطط لهذا الأمر الرئيس الأرجنتيني "نيستور كورشنر"، ومن الواضح أنه كان يروم الإشارة إلى أن الجهود الأميركية الرامية إلى تشكيل كتلة صديقة في أميركا اللاتينية ستواجَه بشبكة شافيز الراديكالية. ويطغى على الصحف والقنوات التلفزيونية في فنزويلا حالياً جدل ساخن حول أسباب جولة شافيز في المنطقة، وحول وجاهة سعيه إلى استباق بوش. والواقع أنني أتوقع تقدم "شافيز" في نهاية المطاف -بفضل قدرته على التكيف مع الظروف بسرعة وقراءة الحشود، وهما أمران لم يُجدهما أبداً صناع السياسة الأميركيون بخصوص أميركا اللاتينية. والحق أن زيارة "شافيز" كانت مفيدة على اعتبار أن الزعيم الفنزويلي كان الدافع الخفي وراء قيام بوش بهذه الجولة؛ غير أن الاستراتيجية الأميركية تقوم على محاولة الظهور بمظهر من يولي الاهتمام لأميركا اللاتينية، وليس على إعادة النظر في الرؤية التي طبعت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد بوش تجاه أميركا اللاتينية. لذلك، ولأسباب أخرى كثيرة، أعُدُّ نفسي ممن استسلموا لضياع فرصة أخرى، وفشل آخر في إحداث التغيير الحقيقي. فيرناندو باييز مؤلف كتاب مقبل بعنوان "تاريخ تدمير الكتب" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"