أثار "مؤتمر الكويت للشفافية"، المنعقد في يناير الماضي (2007)، الكثير من شؤون وشجون الفساد والبيروقراطية وسوء الإدارة في العالم العربي برمته. وفي الكويت نفسها، حذر عضو في "مجلس الأمة" من خطر استشراء الفساد في مؤسسات الدولة، ووصفه بالمارد الذي "يطرق الأبواب ويفترس المؤسسات". وعدّد النائب "مشاري العنجري" أربعة من أسباب الفساد: التوسع الهائل في الهيمنة الحكومية على الاقتصاد، وتضخم الجهاز الوظيفي مما وسع الهوة التي ينفذ منها "طواغيت الفساد"، وتساهل الحكومة مع مظاهر الفساد وترددها في محاربته، وأخيراً التراجع الكبير الذي شهدته السنوات الأخيرة في كفاءة القيادات المؤمنة بالإصلاح والقادرة على محاربة مظاهر الفساد. (القبس، 16/1/2007). وهاجم رئيس جمعية الشفافية الكويتية في كلمته سوء استخدام السلطة في البرلمان نفسه وقال: "أصبح البرلمان، الأداة الرقابية على أداء الحكومة، بحاجة إلى رقابة شعبية على أداء أعضائه". وكان ترتيب الكويت 35 على جدول "مؤشر مدركات الفساد" الدولي عام 2003، ودرجتها 5.3، بينما تراجعت عام 2006 لتكون الخامسة بين ست دول خليجية! الحديث عن استشراء الفساد المالي والإداري وغيره، ليس بالشيء الجديد في دول الخليج والمنطقة العربية. أما الجديد، وربما بخاصة منذ أحداث سبتمبر 2001، فهو المتابعة الدولية للظاهرة. بل إن بعض اعترافات القادة العرب بالفساد في بلدانهم بلغت حداً مفزعاً، فمثلاً، لخص الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في خطاب طويل يوم 27/4/1999 القضية بقوله: إن "الجزائر دولة مريضة بالفساد". وأضاف أنها "دولة مريضة في إدارتها، مريضة بممارسات المحاباة، ومريضة بالمحسوبية والتعسف بالنفوذ والسلطة، وعدم جدوى الطعون والتظلمات. مريضة بالامتيازات التي لا رقيب عليها ولا حسيب". ويحصر أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، د. محمود عبدالفضيل، أهم مكونات "اقتصاد الفساد" في العالم العربي، على النحو التالي: 1- تخصيص الأراضي: من خلال قرارات إدارية عليا، تأخذ شكل "العطايا"، لتستخدم فيما بعد في المضاربات العقارية وتكوين الثروات. 2- إعادة تدوير أموال المعونات الأجنبية للجيوب الخاصة، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 30 في المئة منها لا تدخل خزينة الدولة، وتذهب إلى جيوب المسؤولين أو رجال أعمال كبار. 3- "قروض المجاملة" التي تمنحها المصارف من دون ضمانات جدية لكبار رجال الأعمال المتصلين بمراكز النفوذ. 4- عمولات عقود البنية التحتية وصفقات السلاح. 5- العمولات والأتاوات التي يتم الحصول عليها بحكم المنصب أو الاتجار بالوظيفة العامة. ومما يوافق عليه كثير من الباحثين، أن في البيئة العربية السياسية والإدارية ما يساعد على انتشار الفساد وازدهاره، وصعوبة الالتزام بأي درجة معقولة من الشفافية في معظم البلدان. ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بلبنان، د. حسن كريّم، أنه على الرغم من وجود اختلافات مهمة إلا أن دول المنطقة العربية تشترك في خصائص أهمها سيادة نمط الدولة الريْعية أو شبه الريعية التي تعتمد على موارد أولية، وهذا أدى إلى أن تكون الدولة معنية أساساً بالتوزيع لا الإنتاج وتحصيل الضرائب. ومنها كذلك سيادة نمط الدولة الأمنية التي تتبع سياسة الاحتواء القمعي، مع ضعف بنية المؤسسات السياسية والإدارية، وغياب دولة المواطن ومفهوم المواطنة. ومنها أخيراً النمو الكبير للجهاز البيروقراطي أو الإداري وترهل الجهاز وازدياد العجز في الميزانية وارتفاع المديونية وانخفاض الإنتاجية، حيث تستعمل الدولة كمكان لتقاسم وتوزيع المغانم على حساب الاقتصاد الوطني. وتثير ظاهرة الفساد العديد من الأسئلة، فهل الفساد السياسي والإداري عرَض أم مرض؟ وهل تقضي الديمقراطية على الفساد حقاً؟ صحيح أن الديمقراطية لو وُجدت لكانت المساءلة والمحاسبة محور الحياة السياسية في لبنان، وبالتالي لما كان الفساد. يقول سليم الحص، رئيس وزراء لبناني سابق: صحيح أيضاً أن الفساد من العوامل التي تحول دون إقامة الديمقراطية. فإذا ما استشرى الفساد في الطبقة السياسية، وفي الإدارة العامة وفي القضاء، فمن الذي سيطالب بالديمقراطية التي تقوم على المساءلة والمحاسبة؟ ومن الذي سيبادر إلى تطوير النظام في هذا الاتجاه؟ ما المخرج من هذه الحلقة الجهنمية في مقولة: لو كانت الديمقراطية لما كان الفساد، ولو لم يكن الفساد لكانت الديمقراطية؟ كيف الفكاك من هذا الطوق الخانق؟ ويلاحظ أحد الباحثين السياسيين أن بعض نظم التعدد الحزبي قد تشيع فيها معدلات عالية من الفساد، وقد يقل الفساد في دول لا يقوم نظامها على التعددية الحزبية، كما رأينا في دول رأسمالية متقدمة مثل ألمانيا وفرنسا واليابان. ولهذا يحق للبعض أن يتساءل مع الكثيرين: "هل الديمقراطية على النمط الغربي الليبرالي هي الحل السحري لمحاربة الفساد؟ وهل تدخل المال في لعبة تداول السلطة على مستوى كبير يفسح المجال لتداول جدي للسلطة؟ وهل دخول ملايين الدولارات حلبة التنافس الانتخابي يسمح بدور الرقابة؟" (نفس المصدر، ص 304). ولكنَّ في مثل هذه الأسئلة، على وجاهتها، تحاملاً على الديمقراطية الليبرالية وأجهزتها الرقابية في البلدان المتقدمة. وقد أثبتت اختبارات عديدة في تلك الدول قوة هذه الأجهزة والآليات، واستقلالها عن عناصر الفساد ومراكز النفوذ. وهذا ما يؤكده الاقتصادي والصحافي الأردني أ. فهد الفانك، الشديد الانتقاد للغرب، إلا أنه في ندوة الفساد المذكورة، قارن بين أوضاعنا وأوضاع الغرب قائلاً: "الفرق بين فسادنا وفسادهم أن معظم فسادنا يتم سراً، ومعظم فسادهم يتم علناً... فسادهم العلني يمكن مكافحته عن طريق حرية النقد ونشاط المعارضة السياسية، وفسادنا السري يمكن مكافحته عن طريق العمل الاستخباري... الفساد عندهم معروف، "يقرأ" الناس عنه في الصحف، والفساد عندنا معروف "يسمع" الناس عنه همساً في الإشاعات. يبقى أن المجتمع الغربي يكره الفساد والفاسدين، أما المجتمع الشرقي فيكره الفساد ولكنه يُجلُّ الفاسدين، ويعتبرهم أذكياء وأقوياء، فللفساد جذور في ثقافتنا وتراثنا". (ص 409). وهكذا، فالفساد في رأي هذا الكاتب وكتّاب آخرين مرض وليس بعرَض في حياتنا وتراثنا. وهذا ما يعترض عليه د. إسماعيل الشطي، الإسلامي الكويتي المعروف ورئيس تحرير مجلة "المجتمع" السابق، فيقول في مداخلة له: "هناك مغالطة تاريخية في محاولة إسقاط مفاهيم الدولة المعاصرة على التاريخ الإسلامي، فالفساد وفق تعريفه المعاصر نتاج الدولة الحديثة، بينما الدول التي عاش تحت ظلها المسلمون إبّان العصر الوسيط نتاج نظام دولي مغاير، ولذلك فإن تعريف الفساد في العصر الوسيط يختلف عن تعريفه اليوم. إن تعريف الفساد راعى بدرجة كبيرة مقتضيات الرأسمالية الليبرالية السائدة، وركز في تعريفه على المنفعة، واعتبره مشكلة سياسية واقتصادية، بينما يعتبرها الإسلام مشكلة أخلاقية بالدرجة الأولى"، (ص 204). ختاماً، نتساءل مع كل من يحاول القضاء على الفساد، أو تقليص مداه: ما العلاج؟ د. عبدالفضيل يقترح ثلاثة محاور: محور توسيع رقعة الديمقراطية والمساءلة لتحقيق درجة أكبر من الشفافية في العقود الدولية والعطاءات، ومحور الإصلاح الإداري والمالي وبخاصة وضع القواعد والضوابط اللازمة لمنع التداخل بين الوظيفة العامة وممارسة النشاط التجاري والمالي. ومحور إصلاح هيكل الأجور والرواتب، كي يمكن محاصرة الفساد عند أدنى المستويات، وزيادة درجة حصانة "صغار الموظفين" و"كبارهم" إزاء الفساد والمفسدين. لنجرِّب هذه الوصفة!