مما لاشك فيه أن الأشهر الثلاثة الماضية كانت هي الأعنف والأكثر دموية في صراع حركة "طالبان" المحوّرة مع حكومة كابول وقوات الدعم والمساندة الدولية بقيادة حلف "الناتو" المسماة "إيساف" منذ الإطاحة بإمارة أفغانستان الإسلامية في شتاء عام 2001. إذ تميزت هذه الأشهر بتزايد العمليات العسكرية والانتحارية من قبل "طالبان" ووقوع خسائر يومية في صفوف خصومها، الأمر الذي عزاه المراقبون إلى أكثر من عامل لعل أهمها الهدنة التي أبرمتها السلطات الباكستانية في أواخر العام الماضي مع زعماء القبائل في المناطق الحدودية المحاذية لأفغانستان، والتي تعرف تقليدياً بتعاطفها مع "الطالبانيين". وبعبارة أخرى يسرت هذه الهدنة السبيل أمام بقايا فلول "طالبان" للحركة وإعادة التجمع والتخطيط، بل إقامة ما يشبه الدويلة "الطالبانية" في بلوشستان والأقاليم الشمالية الغربية لباكستان والمعروفة تاريخياً بعدم خضوعها لسيطرة المركز، بدليل إقدام الميلشيات "الطالبانية" وأعوانها في الأشهر الأخيرة على شن حملات حرق ومداهمة وقتل على محال الحلاقة وبيع الأشرطة الموسيقية ونحو ذلك. وكان من نتائج هذه التطورات أن اتهمت كابول وواشنطن علانية حكومة الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف بالتقاعس عن مطاردة "الطالبانيين" داخل حدودها ممن باتوا يستخدمون أراضي بلوشستان الباكستانية كمأوى ومنطلق لشن الهجمات على القوات الأفغانية وقوات "إيساف"، وعدم الجدية في تحمل واجباتها ضمن الحرب على الإرهاب، الأمر الذي تسبب في توتر علاقات كابول بإسلام آباد وامتعاض الأميركيين من الأخيرة. ويقال إن زيارة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لإسلام آباد في الشهر الماضي كان الغرض منها إيصال رسالة إلى الباكستانيين مفادها أن مساعدات واشنطن لهم والمعروضة حالياً أمام الكونجرس الأميركي، مشروطة بمدى تحقيقهم لنتائج إيجابية في ملاحقة الميليشيات "الطالبانية" وتنظيف الأراضي الباكستانية منها. ويبدو أن نظام مشرّف أدرك جدية التهديدات الأميركية رغم حاجته إلى تمتين أوضاعه عبر تفاهمات قبلية تسبق موعد الانتخابات المنتظر إجراؤها هذا العام، فقام بجهد لإعادة الاعتبار لصورته كحليف ضد الإرهاب. وقد تجسد ذلك في إلقاء السلطات الباكستانية القبض بعد أيام من زيارة تشيني على مجموعات من "الطالبانيين" المتسربين من إقليم وزيرستان إلى بلوشستان، وعلى متشددين آخرين جاءوا عبر الحدود الإيرانية، كان من بينهم رعايا دول مثل روسيا وتركيا وقرغيزستان. غير أن التطور الأبرز كان نجاح الباكستانيين في اعتقال المسؤول "الطالباني" الملا عبيدالله آخوند وعدد من رفاقه، قيل إن من بينهم بحسب بعض الروايات -"عبدالباري" الحاكم السابق لإقليم هلمند الأفغاني و"أمير خان حقاني" أحد قادة "طالبان" الذين نجحوا في الفرار عام 2003 من حملة أميركية لاعتقالهم في ولاية زابول الأفغانية. وهذا التطور لئن ساهم نسبياً في محو الشكوك الغربية حول جدية باكستان في محاربة حلفائها "الطالبانيين" السابقين، فإنه أكد من جانب آخر ما ظلت تردده كابول وواشنطن من أن كثيراً من زعماء "طالبان" الفارين موجودون داخل الأراضي الباكستانية ويتمتعون بالدعم والحماية. ورغم أن إسلام آباد تجنبت الاعتراف الرسمي بوجود الملا عبيدالله في قبضتها -ربما تحاشياً لردود الفعل القبلية ضدها- فإن مصادر أمنية باكستانية وأفغانية وأميركية أكدت الخبر، بل اعتبرته أكبر إنجاز ضد "طالبان" الفارين منذ إسقاط نظامها الوحشي. فإلى ما قبل القبض على الملا عبيدالله، كان الرجل الأبرز ضمن من تمكن الأميركيون من اصطياده أو قتله هو "الملا اختر محمد عثماني" أحد مساعدي زعيم "طالبان" الملا محمد عمر المقرّبين، وذلك في غارة جوية أميركية على معقله في إقليم هلمند الجنوبي في أكتوبر 2005 وبمساعدة باكستانية على الطرف الآخر من الحدود. وكاد الباكستانيون، طبقاً لتصريحات مشرّف أن يوقعوا في أواخر العام الماضي داخل أراضيهم بقائد طالباني آخر مهم هو "الملا دادالله" صاحب مجازر "باميان" ضد شيعة الهزارة والمحكوم عليه غيابياً في باكستان لاغتياله أحد الزعماء السياسيين، لولا أن الأخير نجح في الفرار بأعجوبة ليظهر لاحقاً على شاشة قناة "الجزيرة" ويدعي أنه يقود أكثر من 6000 مسلح مختبئ تحت الأنفاق المنيعة استعداداً لما سماه "حملة الربيع". لكن ما مدى أهمية اعتقال عبيدالله الذي رصد الأميركيون لرأسه مكافأة بقيمة مليون دولار، والذي سبق أن تحدي الحكومة الباكستانية علانية وبغرور واضح في الشهر الماضي، قائلاً إنه يتجول بحرية داخل باكستان وما من قوة تستطيع التجرؤ على تقييد حريته؟ الجواب يمكن أن نستشفه من الدور الذي لعبه الرجل أثناء حكم "طالبان" لأفغانستان ما بين عامي 1996 و2001، ومن المسؤوليات التي اضطلع بها بعد هذا التاريخ. فقد تولى قيادة القوات الأمامية أثناء عملية استيلاء الحركة على مدينة مزار شريف عام 1998، وأدار وزارة التعمير لفترة قصيرة، وشغل منصب نائب رئيس جهاز الاستخبارات، قبل أن يعين وزيراً للدفاع. وأثناء هذه السنوات عرف بقربه من الملا محمد عمر، بل كان أحد ثلاث شخصيات خصت بقنوات الاتصال المباشرة به والدخول عليه في أي وقت. ويبدو أن علاقته المتميزة هذه بزعيمه الفار تواصلت من بعد فترة قصيرة من الانقطاع بسبب نجاح خصومه من قوات تحالف الشمال الأفغانية في أسره عام 2001، وقبل أن يفرج الأميركيون عنه ضمن صفقة مصالحة وطنية، ويعبر الحدود إلى باكستان ليتزوج لاحقاً من فتاة مراهقة في كويتا عاصمة بلوشستان. فطبقاً لبعض التقارير الاستخباراتية وشهادات بعض المعتقلين "الطالبانيين"، مثل "عبداللطيف حكيمي" الذي قبضت عليه باكستان عام 2005 ، يعتبر الرجل أحد شخصين فقط (الآخر هو الملا دادالله) يعرفان مكان الملا عمر ويتلقيان الأوامر منه، إضافة إلى أنه مهندس العمليات الإرهابية ضد قوات كابول و"إيساف" ومصدر كل أوامر الهجوم والقتل وزرع المتفجرات، بما في ذلك عمليات قتل موظفي الإغاثة الإنسانية الغربيين، على نحو ما حدث في مارس 2005. والسؤال الآن هو عما إذا كان القبض على رجل بهذه المسؤوليات ضمن فلول "طالبان" وأنصارها سيحد من الأعمال الإرهابية ويعزز مناخ السلام الهش في أفغانستان، أم أنه لا تأثير كبير له؟ الأيام والأسابيع القادمة سوف تجيب على السؤال، رغم اعتقاد البعض بأن غياب عبيدالله عن قيادة الميليشيات "الطالبانية" لن يعيق عمليات الأخيرة الإرهابية، بسبب ما وصفوه بالمرونة القيادية والتنظيمية داخل حركة "طالبان".