اهتز العالم أجمع للجريمة الإرهابية التي ارتكبت في منطقة (مدائن صالح) الأثرية في السعودية ضد مجموعة من الفرنسيين بغض النظر عن ديانتهم، كانت تسيح في هذا المكان، فإن الحادث بحد ذاته يعد دليلاً على استهانة بقيمة الإنسان في بعده العالمي. فمؤتمر "النظام الأمني في منطقة الخليج العربي: التحديات الداخلية والخارجية" الذي انعقد منذ أيام بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، من خلال جلساته أكد على أن الأمن مهدد في كل بقاع الأرض، فيصعب الفصل بينه بعد ما شاهدنا من حوادث إرهابية متتالية، لأن الأمن العالمي سوف يهتز من جديد لأن جريمة إرهابية أخرى قد تقع دون أدنى اعتبار لما هو داخلي أو إقليمي، قطْري أو عالمي، إسلامي أو عربي، فالأمن أصبح أكثر شمولية في تأثيراته على البشرية خارج اعتبارات الزمان أو المكان. فأوراق العمل التي نوقشت لم تستثن بعداً واحداً عن هذه المعادلة الشائكة، وعنصر الانفتاح الذي يربط الخليج بكل من حوله يزيد الأمر تعقيداً، والأصعب من ذلك فيما لو فكرت أي دولة في الانغلاق على نفسها، لأن هذا من المستحيل الذي لا يحتمل ذرة من الإمكان في زمن يتعامل الناس فيه مع المستحيل على أنه لاشيء. فإن كانت الأماكن السياحية لم تعد في مأمن من شر الإرهاب، وكذلك المدن الآمنة لم تسلم من تعكير صفوها بطريقة مفاجئة، فمن الذي يملك زمام إعادة الأمن إلى مستقره وخاصة أن المفهوم الشمولي للأمن ليس مقصوراً على جانب دون آخر، فقد اختلطت الأبعاد كلها فلم يعد بالإمكان ضبط خيط الأمن الداخلي لأي دولة حتى تدب الفوضى غير المتوقعة في الأمن العالمي. فمنطقة الخليج لم تكن منطقة مزعزعة إلا أن التغييرات المتسارعة من حولها جعلتها في قلب الأحداث العالمية منذ عقود، لذا فمن مصلحة العالم بكل تركيباته الهرولة نحو إعادة الأمن المطلوب إلى مكانه، فما يحدث اليوم في المنطقة وغيرها من مناطق التوتر من حولنا، له آثار مباشرة وغير مباشرة على المنظومة الأمنية للعالم الأكبر. فلا تظنن أميركا وأوروبا أو غيرها من الدول أنها بإدخال منطقة الخليج في حروب أخرى، ستكون آمنة في سربها، فإرهاب الحادي عشر من سبتمبر وغيره في لندن وبريطانيا وأسبانيا وكذلك بعض الحوادث المتناثرة بين فترة وأخرى يعطي دلائل على أننا يجب أن نجتمع ليس في مؤتمر واحد على مدار العام فقط، بل إن الحاجة ماسة إلى مؤتمر مفتوح منعقد على مدار الساعة للحاق بالتطورات التي تحدث في هذا المجال، وخاصة إذا ما استغل الإرهابيون الثغرات الأمنية لدى كل دولة على حدة لتملء هذا الفراغ الأمني بالقنابل التي تعجل في تفشي العنف ليقوض ذلك كل ما يتم بناؤه من أجل الأمن العالمي المرتكز على مفهوم الأمن الشامل. هناك ضرورة لرفع درجة الحس الأمني لدى كل القائمين على هذا الشأن، وهو لا يتم بالاعتماد على ردات الفعل الآنية التي تزول بزوال مفعولها، فإذا كانت الهزة الأمنية أقرب إلى الزلازل التي تخفي أحياناً مدناً بأكملها تحت الثرى، فإن تدافع المجتمع الدولي لعلاج الآثار الناجمة عن الزلزال لا يكفي للتعامل مع الهزة الأمنية التي قد تصيب البعد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وكل توابعه بصورة لا يمكن التعامل معها بشكل أحادي. فالحروب قد تأتي بالأمن أحياناً ولكن قد لا تكون ضماناً لاستمرار هذا الأمن المفروض عن طريق الحروب، ولا نريد للعالم أن يجعل منطقة الخليج العربي الدافع الأول للضريبة الأمنية المفترضة.