نفتقد كثيراً اليوم الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية بسبب دورهما الفاعل في حل أكثر المشاكل تعقيداً في منطقتي البلقان والشرق الأوسط وإخمادهما للكثير من العصبيات والاحتقانات تحت رايات مختلفة. لكن ما أن سقطت الإمبراطوريتان حتى طفت إلى السطح المشاكل القديمة ومعها الكثير من الدماء والاضطرابات. فبين صربيا وألبانيا، اللتين كانتا معاً تحت الحكم العثماني إلى غاية نهاية القرن التاسع عشر، صراع محتدم حول إقليم كوسوفو، الذي يرجع في جزء كبير منه إلى تاريخ حابى طرفاً على حساب الآخر، لاسيما الصرب الذين لم يتقبلوا بمرارة خضوعهم لحكم الإمبراطورية العثمانية المسلمة، وهم الشعب المسيحي الأرثوذكسي. غير أن التاريخ الذي يعتقد الصرب أنه جنى عليهم سرعان ما وضعهم تحت سيطرة الإمبراطورية النمساوية، بما هي تجسيد حي للانبعاث السياسي للإمبراطورية الرومانية بعدما نفض عنها الغبار كل من "شارلمان" والبابا "ليو الثالث". وإذا كانت الإمبراطورية النمساوية قد نجحت في تحجيم دور الكنيسة نسبياً وحصرها في شؤون الدين، ثم احتكارها للدور السياسي، لم يكن من الممكن للإمبراطورية العثمانية الفصل بين شؤون الأرض والسماء بسبب العلاقة الوثيقة والمتداخلة بين الدين والسياسة حسب تأويل معين للإسلام. والواقع أن هذا التداخل، المزعوم أو الحقيقي، أصبح فيما بعد مصدراً لعدد من المشاكل داخل العالم الإسلامي ليس أقلها تنامي الأصولية الإسلامية وبزوغ حركات الإسلام السياسي التي يدعو بعضها إلى العنف كسبيل لبلوغ الأهداف السياسية. أما الحركة القومية التي لعبت دوراً بارزاً في ظهور الدول الحديثة وساهمت في إسقاط الدولة العثمانية خلال أيام وهنها فقد تعرضت لانتكاسة لاحقاً، وهي الآن في تراجع إلى الوراء بعد الإطاحة بنظام صدام حسين العلماني. لذا يعتقد العديد من المراقبين ومن بينهم المسؤولون الأميركيون الذين أشرفوا على غزو العراق أن حدود هذا الأخير ليست سوى صنيعة القوى الاستعمارية التي أخضعته. والحقيقة أن العراق هو مهد الحضارات الإنسانية الأولى، حيث ظهرت لأول مرة الكتابة والزراعة. ولئن كانت حدوده قد طرأ عليها تغيير على مر العصور، فإن شعب دجلة والفرات ظل على حاله منذ عهد "حمورابي" عام 1780 قبل الميلاد، وإلى غاية "بول بريمر" و"ديفيد بتراوس". لكن حتى بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى إثر صعود القوميات داخلها، وما صاحب ذلك من توسع في مجال التعليم وانحسار الأمية، فإن المؤسسات الاجتماعية والنخب الثقافية ظلت قاصرة عن إنتاج دولة قومية حديثة على شاكلة الدولة المعاصرة التي ظهرت في أوروبا. وفي الوقت الذي اندفعت فيه الدول الأوروبية لاقتسام التركة العثمانية في الشرق، برز التمايز في الموقف الأميركي الذي عبّر عنه الرئيس "وودرو ويلسون" في مبادئه المدافعة عن حق تقرير المصير للشعوب المستضعفة. غير أن هذا المبدأ الذي ارتكز على فكرة وجود حدود سياسية تتماهى مع الانقسامات العرقية والدينية في منطقة البلقان والشرق الأوسط سرعان ما تهاوى عندما فشلت تلك الحدود في التعبير عن التنوع الحاصل في البلدان المستقلة حديثاً عن الاستعمار. فكانت النتيجة تعميق الخلافات العرقية والدينية وتكريس مظالم الشعوب المختلفة، التي وإن كانت قد تحررت من الاستعمار الأجنبي، إلا أن هويتها الثقافية ظلت مضطهدة تحت سيطرة الدولة الحديثة التي تلت الاستقلال. ولاشك أن مثل هذه الأجواء التي سادت منطقتي البلقان والشرق الأوسط هيأت المناخ المناسب لاندلاع العنف والأزمات. وهكذا أدى انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية إلى انبثاق المد القومي مجدداً في يوغوسلافيا على يد نظام سلوبودان ميلوسوفيتش، مؤججاً حروب الانفصال التي عاشتها البلاد طيلة عقدين من الزمن. فقد كانت كرواتيا وسلوفينيا جزءاً من النسق المسيحي الغربي للإمبراطورية النمساوية المجرية، بينما خضعت صربيا، وهي الجزء الجنوبي الأكبر من يوغوسلافيا، لنظام الأرثوذكسي يجمعها مع روسيا في أواصر وطنية ووجدانية ظاهرة. وعلى امتداد حروب يوغسلافيا درج الصرب على نعت مسلمي البوسنة بـ"الأتراك". ولعل ما يفسر رفض الصرب الشديد لاستقلال إقليم كوسوفو هو أن ذلك سيضع جزءاً من "الأراضي المسيحية" الصربية تحت حكم الألبان المسلمين الذين تربطهم أواصر وثيقة مع ألبانيا التي تدين في الغالب بالإسلام. ويبقى الحل الوحيد للخروج من الاضطرابات التي تعصف بمنطقة البلقان هو اللجوء إلى مظلة الاتحاد الأوروبي، لاسيما بعد انضمام سلوفينيا إلى الاتحاد، وقرب التحاق كرواتيا به، فضلاً عن تطلعات كل من صربيا وألبانيا إلى الفضاء الأوروبي الواسع. ولنزع فتيل الأزمة وحل مسألة كوسوفو سعى كل من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى إقناع صربيا بالموافقة على الخطة التي اقترحها مؤخراً المبعوث الأممي "مارتي أتيساري" والقاضية بمنح إقليم كوسوفو استقلالاً، تخضع بموجبه للإشراف الأممي لطمأنة الأقلية الصربية في الإقليم التي تشكل 10% من مجموع سكانه. لكن الطرفين رفضا معهاً خطة الأمم المتحدة لأنها من وجهة نظر الكوسوفيين لا تمنح إقليمهم استقلالاً فورياً وناجزاً، ولأنها من وجهة نظر الصرب تسعى إلى فرض قرارها عليهم منتهكة ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على احترام حدود الدول المعترف بها. وعلى رغم اعتقاد البعض ممن يهتمون بالصراع في منطقة البلقان أن مجلس الأمن الدولي سيصادق في النهاية على الخطة الأممية دون معارضة روسيا ليحصل إقليم كوسوفو على استقلاله التام، إلا أن ذلك الاعتقاد لم يتأكد بعد. وفي ظل هذه الصراعات التي تتغذى على الانقسامات العرقية والدينية في وسط أوروبا يبدو أن تدخل الاتحاد الأوروبي هو السبيل لإيجاد الحل الأمثل لإخمادها، وذلك بإشراك الجميع ومنحهم فرص الرخاء والازدهار والتعايش السلمي. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "ميديا تريبيون سيرفيس "