يكتسب كتاب: "حزب الله: تاريخ موجز"، أهميته من مصدرين: الأول هو توقيته... والثاني مؤلفه. أما عن التوقيت، فلأن الكتاب جاء في وقت تتزايد فيه حاجة الكثيرين لمعرفة مزيد عن ذلك الحزب الذي صعد نجمه في سماء الشرق الأوسط خلال العام المنصرم. أما مؤلفه فهو "أوجاستس ريتشارد نيرتون"، أستاذ العلاقات الدولية والأنثروبولوجيا في جامعة بوسطن، والرجل الذي عمل كمراقب عسكري للأمم المتحدة في جنوب لبنان لفترة طويلة مما مكنه من إجراء العديد من الأبحاث والدراسات المعمقة عن لبنان وأحزابه السياسية وطوائفه الدينية، كان أبرزها كتابه "أمل والشيعة" الذي يعتبر من الأعمال المميزة في موضوعه. يبدأ المؤلف كتابه "حزب الله: تاريخ موجز"، بالقول إن صناع السياسة في الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، كانوا قد فهموا "حزب الله" على غير حقيقته، حيث اعتبروه منظمة ذات بعد واحد هو البعد الإرهابي. ولم يكن هذا خطؤهما الوحيد، بل إن الدولتين وقعتا في خطأ آخر وهو اعتقادهما بأن مصير "حزب الله" محسوم وأنه مقضي عليه بالاختفاء، وهو تقييم تبين زيفه خصوصاً خلال المواجهة بين الحزب وإسرائيل صيف العام الماضي، حيث عجزت الدولة العبرية عن كسر النواة الصلبة للحزب الذي تمكن من الصمود بل وجه لها ضربات موجعة. ويؤكد "نورتون" أن "حزب الله" ليس مجرد مليشيا عسكرية، ولكنه أيضاً منظمة اجتماعية توفر الخدمات التي تعجز الدولة عن توفيرها كالتعليم والصحة وإنشاء المرافق وإقامة مظلة خيرية للضمان الاجتماعي، خاصة في المناطق الفقيرة ذات الأغلبية الشيعية. ويرى المؤلف أن هذا الدور الاجتماعي الذي يقوم به الحزب، جعله يحظى بدعم شعبي قوي، مما أضفى عليه مصداقية ومكنه من الحصول على قدر كبير من النفوذ السياسي، حتى أصبح لاعباً رئيسياً ليس في الساحة اللبنانية وحدها وإنما في المنطقة أيضاً، كما منح زعيمه حسن نصرالله شعبية معتبرة. وهو ما تعزز بعد صمود الحزب في حرب الصيف الماضي. ويقول المؤلف إن شعبية "حزب الله" الآن هي أقوى مما كانت عليه سابقاً، وإن الحزب لا يزال يحتفظ بقاعدة دعم قوية في الجنوب اللبناني، وإن جهود إعادة الإعمار التي قام بها عقب الحرب التي نتج عنها دمار هائل في الجنوب وفي الضاحية الجنوبية، كانت أسرع وأكثر نجاحاً من الجهود التي قامت بها الولايات المتحدة في أعقاب "إعصار كاترينا" والتي لا تزال تتعثر حتى اليوم. وهذا التقييم ليس من وسيلة إعلام عربية، وإنما هو من محطة تلفزيونية أميركية مستقلة. وإضافة إلى ما سبق يقدم الكتاب عرضاً وافياً للكثير من التعقيدات والمفارقات المرتبطة بـ"حزب الله" وبدوره في لبنان والشرق الأوسط، كما يبين لقرائه بدرجة كبيرة من الوضوح والبساطة، كيف نشأ الحزب وكيف نما تدريجياً وكيف تطور، والصراع الذي دار بينه وبين حركة "أمل" على النفوذ داخل الفضاء الشيعي في لبنان، وكيف خرج الحزب من ذلك الصراع وتطور بعده ليصبح لاعباً إقليمياً في المنطقة يحسب له حسابه من قبل القوى العظمى. إلى ذلك يقدم المؤلف تحليلاً شاملاً للأوضاع الحالية للحزب، ويحاول من خلال أخذه في الاعتبار لكافة العناصر والعوامل الأخرى ذات العلاقة، أن يتنبأ بالمسار الذي سيتخذه الحزب مستقبلاً. ومن هذا المنظور يرى أن "حزب الله" يمر في الوقت الراهن بعملية تحول كاملة؛ من حزب يتبنى سياسات متطرفة إلى منظمة سياسية تركز في المقام الأول على السياسات العملية. ومن المفارقات المتعلقة بـ"حزب الله"، والتي يمنحها المؤلف اهتماماً خاصاً أن الحزب وخلال مسيرة تطوره من مجرد مخلب قط للسياسات الإيرانية في لبنان وفي المنطقة، إلى حزب سياسي مؤثر يتمتع بتأييد شعبي ملموس، أصر على الاحتفاظ بمليشيا عسكرية بحجة أن هذه المليشيا ليست وسيلة يستخدمها الحزب لإرهاب الآخرين، وإنما هي وسيلة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وخصوصاً حين كان الجيش اللبناني عاجزاً عن مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية ضد لبنان. وكانت العمليات التي شنها الحزب عن طريق مليشياته، هي ما أجبر الإسرائيليين على الخروج من جنوب لبنان عام 2000 بسبب ارتفاع معدل الخسائر التي تعرض لها جيشهم، وعدم قدرتهم على احتمال تلك الخسائر. وهو ما لم يكن ليتيسر لولا شراسة المقاومة اللبنانية التي كانت على رأسها مليشيا "حزب الله". ويناقش المؤلف الرأي القائل بأن الحزب كان يجب أن يفكك مليشياته بعد خروج إسرائيل من جنوب لبنان، إلا أنه أصر على الاحتفاظ بها متحججاً بعدم ثقته في أي اتفاقية يتم التوصل إليها مع إسرائيل، وهو ما أثار ولا يزال يثير كثيراً من الجدل، وإن كانت وجهة نظر "حزب الله" قد تعززت بعد الأداء المتميز لمقاتليه خلال حرب الصيف الماضي. ولا يكتفي المؤلف في كتابه بسرد تاريخ "حزب الله" ومراحل تطوره، ولكنه يتناول أيضاً أصول الانقسام التاريخي بين السُّنة والشيعة في المنطقة، وبعض الروايات والحكايات التي تكشف عن تواصله المباشر بكثير من جوانب الحياة في لبنان، وعلاقاته برجالاته وسياسييه النافذين... مما يجعل من هذا الكتاب كتاباً لا غني عنه لكل من يريد الإلمام بالصورة الكاملة لهذا الحزب الذي أصبح يلعب دوراً لا يمكن إنكاره في الساحة اللبنانية والشرق أوسطية عامة. سعيد كامل الكتاب: حزب الله: تاريخ موجز المؤلف: أوجاستس ريتشارد نيرتون الناشر: بريسنتون يونيفرستي برس تاريخ النشر: 2007