مع خضمّ التحوّل الكبير في مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها إمارة أبوظبي، أصبح الجانب الثقافي يأخذ حيّزاً متنامياً، وعلى أعلى المستويات، كما نال الجانب الثقافي اهتماماً كبيراً في عملية إعادة هيكلة الحكومة المحلية، في إطار تعزيز جهود (هيئة أبوظبي للثقافة والتراث)، والتي استطاعت خلال الفترة القصيرة التي أعقبت تأسيسها، مطلع العام الماضي، أن تطلق العديد من المشاريع التراثية والثقافية الرائدة، ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل وعلى مستوى العالم، وهو ما دفع مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية للاستنتاج، بأن تصبح أبوظبي في غضون سنوات قليلة عاصمة للثقافة والفنون على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وفي هذا الاتجاه، تتحرك إمارة أبوظبي من خلال مضمار ثقافي مزدوج، يجمع ما بين إحياء الموروث الثقافي المحلي، واستيراد الإبداع العالمي المتطور، لتتحول أبوظبي بذلك إلى مركز ثقافي فريد من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن تأكد أنه أصبح للقطاع الثقافي مردود اقتصادي كبير لم يكن متاحاً حتى وقت قريب، ما دفع جميع دول الخليج حالياً لاستقطاب أشهر المراكز الثقافية والتعليمية في مسعى منها لاستثمار عائدات الطفرة النفطية الأخيرة. لقد شهدت الساحة المحلية، خلال الفترة الماضية، العديد من مشروعات تطوير وتنويع البنية التحتية الثقافية، ومن ضمنها تطوير المتاحف وتفعيل دورها في هذه الطفرة الثقافية، حيث قام وزير الثقافة الفرنسي، أمس الأول، بزيارة أبوظبي لتوقيع اتفاق إنشاء فرع لمتحف "اللوفر" الفرنسي الشهير تعرض فيه أعمال فنية عالمية في أبوظبي، ليضاف إلى متحف "جوجنهايم"، (إحدى المؤسسات الفرنسية الثقافية العريقة)، الذي هو الآخر بصدد إنشاء فرع له في أبوظبي، والذي ينتظر أن يصبح معلماً حضارياً وثقافياً بارزاً في المنطقة. إلا أن رهان أبوظبي الثقافي على المضمار الخارجي ليس مقتصراً على فرنسا وحدها، بل هو رهان استقلالي، أي الانفتاح على مختلف الفاعلين الدوليين، إذ إن هناك تطلعات نحو صفقات ثقافية متنوعة، قد تشمل في مرحلة لاحقة دولاً عدة، من خلال رؤية مستقبلية تجعل من الإمارة قِبلَة ثقافية تجمع بين الغرب والشرق، بعد أن بات المشهد الثقافي، اليوم، يشكل قضية محورية في الرؤية المستقبلية لعالم يموج بالكثير من المتغيرات والتطورات والمفاهيم الحديثة والأدوات التي لها آثار مباشرة على المسارات الثقافية، ولا وجود فيه إلا لِمَن يملك قدرات ثقافية ذاتية قوية تعزز بقاء هويته. وبعد أن اختتمت، مطلع هذا الشهر، وبنجاح كبير فعاليات معرض "لغة الصحراء"، واطلع من خلاله آلاف الزائرين من عشاق الفن والطلاب ورجال الأعمال، على العديد من اللوحات والأعمال الفنية المتميزة لعدد من أهمّ فناني المنطقة، عرضت للفن العربي الخليجي المعاصر بمستوى ثقافي وفني رفيع، وأضاف الكثير للمشهد الثقافي المحلي، يبدأ في نهاية هذا الشهر نفسه (معرض أبوظبي الدولي للكتاب) باستراتيجية جديدة، من خلال رؤية ثقافية جديدة تتضمن إطلاق عدد من المشاريع التراثية والثقافية الرائدة على مستوى المنطقة والعالم، وتطوير الفعاليات الأدبية والثقافية والفكرية والفنية المرافقة، وليلعب هذا المعرض هو الآخر دوراً فاعلاً في مضمار الثقافة يتفق مع الإنجازات الضخمة التي حققتها الإمارة في مختلف المجالات، حيث تبلغ مساحة المعرض أكثر من ثلاثة أضعاف المساحة الاعتيادية في دوراته السابقة، وذلك في إطار الاستراتيجية الثقافية الموضوعة لتطوير المعرض. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية