خلال شهر استطاعت القيادة السياسية في المملكة العربية السعودية ممارسة الممانعة بنجاح في وجه الحماقات الأميركية. فقد نجح "اتفاق مكة" في وقف التدهور الكارثي في المشهد الفلسطيني الذي كانت الولايات المتحدة والقوى الصهيونية تريد له أن يستمر ويتسع ليحرق ما تبقّى من قضية العرب الكبرى. الاجتماع بالرئيس الإيراني لمحاولة تخفيف الانقسامات المذهبية في العراق ولبنان وغيرهما من ديار المسلمين، كان ممارسة لمسؤوليات إسلامية وقومية عربية ترفض أميركا أن يمارسها أحد إلا برضاها وشروطها وتحت مظلّتها. إذن فالممانعة ممكنة دون الدخول في مواجهة ضارة وغير متكافئة. وهي خطوة محدودة جداً، لكنها بالغة الأهمية في مسيرة استرداد زمام المبادرة في الحياة السياسية العربية، وذلك بعد أن بدا وكأن التحالف الأميركي- الصهيوني قد أحكم قبضته على سائر جوانب الحياة السياسية في أرض العرب. لسنا هنا بصدد تحليل الدوافع والحسابات وراء هذا الحدث أو ذاك، ولا تهمنا نسبة النجاحات المحقّقه. بل ما يهمنا هو التأكيد على الأهمية القصوى لانتشار ظاهرة الممانعة العربية والإسلامية كردّ فعل أوّلي على المشروع الاستعماري الغربي الذي تقوده القوى الأميركية الحاكمة خدمة لأيديولوجيا الأصولية المسيحية المتطرفة. ومن هنا الأهمية القصوى لممارسة الممانعة في اجتماعات بغداد التي ستنعقد بعد بضعة أيام للنظر في حال العراق الذي أثخنت جراحه سكاكين الاحتلال والقوى المتعاونة معه، وملأها بالقيح والصّديد ذباب الطامعين في تاريخ وعروبة وثروات ذلك الجسد المُنهك. تلك الممانعة لن تكون لها قيمة إلا إذا تمحورت حول إنهاء الاحتلال كقرار واضح له تاريخ محدد، وحول دور عربي وإسلامي فاعل أثناء فترة الانتقال من الاحتلال إلى إعادة العافية لذلك البلد الأصيل، عافية الوحدة والعروبة والديمقراطية والعدالة. تلك الممانعة يجب أن تنجح في انتزاع السكين من يد المحتل، وأن تقدم لأهل العراق بديلاً للمحتل وللطائفية ولوحْل التقسيمات غير الوطنية. تلك الممانعة ستكون حدّاً فاصلاً بين فترة تيهٍ وضياع ويأس وبين فترة أمل ووضوح رؤية. ولأنَّها كذلك ستحتاج إلى أن تتم بتوافق عربي- إسلامي- دولي يجعل أميركا طرفاً من الأطراف، لا الطرف القائد المُهيمن. على الممانعة المنتظرة في بغداد أن تتذكر التالي: أولاً: أن الممانعة النضالية المسلَّحة قد سبقتها بسنين عندما واجهت جيوش المحتل وأبقتها على نار حامية منذ بدء الاحتلال. ولولا تلك المقاومة ما كان للممانعة السياسية المطلوبة أن توجد في الأصل. إن الأبطال الفيتناميين الذين قاوموا وماتوا هم الذين جعلوا أميركا تقبل بالممانعة السياسية في باريس. وعليه فالجو مهيأ الآن للمانعة السياسية العربية والإسلامية. ثانياً: الممانعة المطلوبة في بغداد تستطيع أن تتعلم من أشكال الممانعات السياسية التي سبقتها. لقد واجهت أميركا ممانعات ناجحة في أميركا الجنوبية وأوروبا وآسيا وروسيا. وهي تواجه الوضع الممانع في فلسطين ولبنان والصومال والسودان وأفغانستان. وبالتالي فقد آن الأوان للتوقف عن الاعتقاد بأن الهيمنة الأميركية السياسية في منطقتنا هي قدر لا يمكن مناقشته. ثالثاً: إن الإدارة الأميركية الحالية في واشنطن هي في حالة ضعف وتيهٍ لأسباب داخلية وخارجية كثيرة. وتلك فرصة يجب ألا تضيع، وستكون فاجعة لو أن العرب أضاعوها. فحيثما تولي أميركا وجهها الآن فثمة مصاعب تستدعي التراجع، والحالة العراقية على قمّة تلك المصاعب. وهذا ما يجعل الممانعة العربية ممكنة ومهيأة للنجاح. في خضمّ كل ذلك يبرز سؤال محيِّر: هل تستطيع الشعوب العربية أن تفعل شيئاً في الدّفع نحو الممانعة المطلوبة ومساندتها إن وجدت؟ سؤال يجب أن تواجهه القوى السياسية العربية بمسؤولية وفي الحال.