منذ أن سمح "توني بلير" في سبتمبر 2004 بتسرب خبر اعتزامه التنحي عن السلطة، أُثير سؤالان عريضان في بريطانيا: متى سيرحل؟ وإلى أي مدى سيكون خلفه مختلفا عنه؟ الآن وقد بات الجواب على السؤال الأول معروفاً تقريباً–إذ من المتوقع أن يرحل بلير بحلول منتصف الصيف المقبل- ومن ثم انتقل التركيز إلى السؤال الثاني. باستثناء حدوث مفاجأة سياسية غير محتملة، فإن خلفه ينتظر أن يكون "جوردون براون"، الاسكتلندي ذو الثقافة الواسعة والمعروف بدفاعه عن العدالة الاجتماعية، والذي عمل-ليس على نحو مريح دائماً- وزيراً للمالية في حكومة بلير ومثل ذراعه الأيمن منذ عشر سنوات. أعضاء البرلمان، والمحللون السياسيون، والأشخاص الذين يعرفون "براون" يتوقعون أن يكون زعيما مختلفا عن "توني بلير"؛ إذ تستأثر أفريقيا والعدالة الاجتماعية باهتمامه بدلاً من الشرق الأوسط؛ كما أنه لم يكن أبداً متحمساً بخصوص حرب العراق؛ ثم إنه لا توجد بينه وبين الرئيس الأميركي جورج بوش قواسم مشتركة كثيرة على ما يبدو. والحال بالرغم من أنه يُنظر إلى "براون" أحياناً باعتباره تجسيداً للقيم الأساسية لـ"حزب العمل"، فإن الرسم الكاريكاتوري الذي يرسمه له البعض ويقدمه فيه على أنه اشتراكي مشتبه في أميركا ومتشكك في الحرب ليس صحيحاً. وفي هذا الإطار، يقول "ستيفان تويج"، الوزير السابق والمدير الحالي لـ"مركز السياسة الخارجية"، وهو مؤسسة بحثية في لندن:"إن جوردون معجب جداً بأميركا، ربما أكثر من بلير أحيانا"، مضيفاً "عندما يذهب في عطلة إلى الخارج، يميل إلى الذهاب إلى "كيب كود"، في حين يختار بلير عادة قضاء إجازته في أوروبا. وثقافياً، يعد "جوردون" من المدافعين عن الشراكة الأطلسية؛ كما تربطه بالسياسة الأميركية علاقات قوية". والواقع أن "براون" لم يجتز المرحلة الصعبة بعد؛ إذ يرى البعض داخل حزب "العمل" أن أساليبه المختلفة وارتباطه الكبير بعشر سنوات من "البليرية" (سياسات بلير) قد تجعل من الصعب عليه استمالة الناخبين، رغم أنه لا يوجد حتى الآن مؤشر على قدوم مرشح عمالي آخر لينافسه على دور زعيم الحزب الذي سيصبح شاغراً بعد رحيل بلير. وفي حال لم يقم أحد بذلك، فيُرتقب أن يصل "براون" إلى زعامة الحزب، وبالتالي، شغل منصب رئيس الوزراء. قد يجد الأميركيون في "براون" بديلاً مختلفاً جداً عن بلير، بديلاً أكثر حذراً وربما أقل انسياقاً. ولذلك، يرى البعض أن على البيت الأبيض أن يستعد لتغير كبير في الأسلوب، إن لم يكن الجوهر. وفي هذا الإطار، يقول "توم باور"، الصحفي والكاتب الذي ألف كتاباً عن براون في 2004: "سيكون ثمة فرق كبير لأن براون مختلف عن بلير"، قبل أن يضيف "إلا أنه يؤمن بأهمية الشراكة الأطلسية؛ وبالتالي، فإنه لن يكسر العلاقة مع واشنطن". بالمقابل، يُتوقع أن يقوم براون بالتشديد على الاختلافات بين لندن وواشنطن، خلافاً لبلير الذي كان يميل إلى التقليل من شأن أي خلاف ينشأ بين البلدين والتشديد على تحالفهما، وهو ما جعله يبدو خنوعاً ومنساقاً إلى درجة تثير الانتقادات اللاذعة لسياسة رئيس الوزراء البريطاني. وفي هذا السياق، يقول تويج:"كان بلير يعمل دائماً على التقليل من شأن المواضيع محل الاختلاف بين لندن وواشنطن، مثل موضوع التغير المناخي والمحكمة الجنائية الدولية، في حين يُتوقع أن يكون "جوردون براون" أكثر وضوحاً وصراحة، إذ من المنتظر أن يشدد على هذه المواضيع عن قصد". ومن جانبه، يقول "إيان جيبسون"، البرلماني "العمالي": "يُتوقع أن يكون براون أكثر حزماً وصرامة مع أميركا مقارنة مع بلير"، قبل أن يضيف: "إلا أنه يهتم كثيراً ببعض الأمور الجيدة في أميركا"، مشيراً في هذا السياق إلى أنه يبدو أكثر ارتياحاً حين يكون بين المثقفين مقارنة مع شخصيات الدفاع والمؤسسات في العاصمة واشنطن إذ يقول "الواقع أنه أكثر قرباً من الولايات المتحدة منها إلى أوروبا". وبالفعل، فربما لن يكون الأوروبيون سعداء بوصول براون إلى رئاسة الوزراء في بريطانيا. فإذا كان بلير قد سعى إلى تقريب بريطانيا من القارة الأوروبية، فإنه لم تصدر عن وزير المالية الحالي مؤشرات كثيرة خلال السنوات العشر الماضية تدل على حرصه على تعزيز التحالف الأوروبي، اللهم ظهوره المحدود في بعض الاجتماعات؛ ثم إنه نادراً ما يزور القارة. أما بخصوص العراق، فالقليلون فقط يتوقعون حدوث تغير مفاجئ. فإذا كان بلير قد بدأ العد العكسي للخروج من العراق بإعلانه في الحادي والعشرين من فبراير خفض عدد الجنود البريطانيين، فإن الخبراء يتوقعون أن يغير "براون" الخطاب حول الحرب على اعتبار أنه كان أقل اقتناعاً بدواعيها مقارنة مع بلير. وفي هذا السياق، يقول "جون كورتيس"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة "ستراتكلايد" في اسكتلندا: "خلافا لبلير، فإن "براون" لا يشير إلى أن الحرب في العراق هي جزء من الحرب على الإرهاب"، مضيفاً "إنه لم يقل الكثير حول العراق، غير أنه قال ما يكفي ليلمح إلى أنه لن يلقي خطابات تقول بأن الحرب في العراق ساهمت في تقليص تهديد الإرهاب في المملكة المتحدة". ويقول "كورتيس" إن هدف براون الرئيسي يكمن في الخروج من العراق في أقرب وقت ممكن، مضيفاً:"السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو: هل سيكون مستعداً للاعتراف بأننا ارتكبنا خطأ؟". بالمقابل، تعد أفغانستان مسألة مختلفة. فبخصوص هذا الموضوع، يبدو "براون" حبيس السياسة الحالية؛ حيث أعلنت وزارة الدفاع البريطانية للتو زيادة أخرى في عدد القوات إلى 7700 جندي؛ كما أن نظرة الجمهور للحملة هناك مختلفة كثيراً عن نظرتهم للحرب في العراق. وفي هذا الإطار، يحذر "جورج جوفي"، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بـ"مركز الدراسات الدولية" التابع لجامعة كامبريدج قائلاً: "هنا لا يمكنه تفادي الالتزام". وإذا كانت سياسة بلير الخارجية قد تركزت على سياسة التدخل– أي استناداً إلى فكرة مفادها أن للغرب واجباً أخلاقياً للتدخل عسكرياً في حال وجود انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان أو القانون الدولي- فإن أفكار "براون" مختلفة، وإن كانت مبنية هي الأخرى على الدوافع الأخلاقية. وفي هذا السياق، يقول تويج "من الواضح أن براون يحب أفريقيا ويهتم بالمواضيع من قبيل المساعدات، وتخفيف عبء الديون، والعدالة التجارية". أما ما إن كان سيتخلى عن سياسة التدخل هذه، فذلك أمر غير معروف بعد، مضيفاً: "ولكن المؤكد أن الوضع في دارفور سيشكل اختباراً كبيرا" لذلك. مارك رايس أوكسلي مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في لندن ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"