التقارب السعودي- التركي حول وضع السُّنة في العراق، وثبات الموقف السعودي تجاه الحكومة والشرعية اللبنانية، وأيضاً المحاولة السعودية للتقريب وتكوين ائتلاف سياسي بين "حماس" و"فتح"، وتجنب الاقتتال الداخلي الفلسطيني، والذي تمثل في "اتفاق مكة"، كل ذلك لم يكن مانعاً للتقارب السعودي- الإيراني، من منطلق المكانة الإقليمية للبلدين، وهو ما بدا واضحاً على لسان الرئيس الإيراني "محمود أحمدي نجاد" قبيل مغادرته طهران متوجهاً إلى الرياض. الرئيس الإيراني أشار إلى أن بلاده مستعدة لتحقيق الوحدة الوطنية اللبنانية. رغم ذلك فإن أطرافاً عدة معنية باللقاء كالطرف اللبناني، وأيضاً الطرف العراقي الذي ينظر إلى مستقبل بلاده من خلال إمكانية التقارب بين السعودية وإيران "في منع استمرار الصدام المسلح بين السُّنة والشيعة". وسوريا ليست ببعيدة عن الترقب بنتائج تساعد على تسوية للقضايا الخلافية، وفي مقدمتها قضيتا المحكمة الدولية في اغتيال رفيق الحريري ورفاقه وحكومة الوحدة الوطنية اللبنانية، والتي تتقاسم مع أطياف لبنانية راغبة في حلول مرضية للطرفين "السوري واللبناني". أما إيران، فإن الملف النووي والعقوبات الدولية المفروضة عليها، ووصول دول مجلس الأمن الدولي دائمة العضوية وألمانيا إلى صياغة ترفض تحول إيران إلى دولة نووية، والوجود الأميركي العسكري في المنطقة، يعكس هاجسها الأمني الأهم خاصة لدى "المحافظين". ثمة رسائل صدرت عن "الإصلاحيين" الإيرانيين إلى القيادة السعودية، تأمل فيها من الرياض التحرك الإقليمي والدولي لمنع تعرض إيران لضربة عسكرية تترتب عليها خسائر بشرية وبنيوية، وهذه الضربة قد تساعد على إعلاء الطيف السياسي "المحافظ " في إيران كرد فعل شعبي على أي عملية عسكرية محتملة. والدليل الساطع على أهمية الملف الأمني الإيراني أيضاً ما صرح به السفير الإيراني بالرياض "سيد محمد حسيني" من أن أمن السعودية هو أمن إيران وعمرانها عمارة لنا، وكل تقدمٍ تشهده السعودية هو تقدم لنا في إيران، ومن خلال ذلك نتأكد بأن الملف الأسخن هو الملف النووي الإيراني وتداعياته الأمنية على المنطقة، وكان هنالك حضور للخارجية الإيرانية متمثلة في وزير الخارجية الإيراني ومساعده للشؤون العربية والأفريقية، مما يعطي انطباعاً بتحرك إيراني لتحسين العلاقات اِلإيرانية- العربية وخاصة الخليجية. نرى إيران في حاجة ماسة إلى إعادة بناء علاقات عربية جيدة تساعد على تحصين المنطقة من الاضطرابات والصراعات المذهبية والعرقية والتدخل الدولي في الشؤون الإقليمية. رغم ذلك فإن هذه الزيارة قد لا تحقق الأهداف المرجوة في تسييل العلاقات بين البلدين وإيجاد حلول للقضايا الشائكة في المنطقة، فحقيقة ليس العراق ولبنان وفلسطين والملف النووي الإيراني والنفوذ العقائدي هي كل الملفات الإيرانية الشائكة، بل خرج محور واضح في النفوذ الإيراني الممتد، وهو ما يثار عن دعم إيراني للحركة "الحوثية"، وهي حركة تهدف إلى إحياء المذهب "الزيدي"، وهو مذهب شيعي في اليمن، فثمة مصادر سياسية وإعلامية يمنية تقول إن هنالك دعماً إيرانياً لهذه الحركة، وكان الرد الإيراني غريباً بإقراره لهذا الدعم، ولكن من مؤسسات دينية غير حكومية رغم أن "المحافظين" لهم سلطة واضحة كل الوضوح في الشؤون الداخلية والخارجية. وتأتي كل هذه الملفات في ظل رفض الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين، تحول إيران إلى دولة نووية، لأن ذلك يضر بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية لهذه الدول. إذاً هذا اللقاء يندرج ضمن الزيارات الدبلوماسية التشاورية بين البلدين كون الملفات المختلفة تتقاطع وتتضارب فيها مصالح إقليمية ودولية وأيضاً ثقافات ذات أبعاد مذهبية وفكرية تجعل من هذه الملفات ذات صعوبة في إيجاد حلول لها من خلال هذا اللقاء. حميد المنصوري باحث إماراتي في العلوم السياسية