في الوقت الذي تدخل فيه حملات الترشيح الأولية لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة مرحلة الجد، فإن الموضوع العراقي يطغى على كل ما عداه تقريباً -وهو ما حدث خلال انتخابات التجديد النصفي الأخيرة- بدليل أن هناك الآن مطالبة موجهة لكافة المرشحين لانتخابات الرئاسة، وبالذات الذين كانوا في مجلس "الشيوخ" في أكتوبر 2002، بتبرير الأسباب التي دعتهم إلى التصويت لصالح قرار شن الحرب على العراق في ذلك الوقت. وباعتبار أنني كنت عضواً في مجلس الشيوخ آنذاك، فإنني قد دهشت من الشكل الذي اتخذته مناقشة الموضوع في ذلك الحين حيث كان يتم تصوير الاختيار المطروح أمام المرشحين الذين أدلوا بأصواتهم على قرار شن الحرب على أنه اختيار بين بديلين، إما خوض الحرب أو عدم خوضها، ولا شيء ثالث بينهما. لم يكن هذا صحيحاً لأنه كان هناك في الحقيقة خيار ثالث بينهما وهو الخيار الذي نال في ذلك الوقت الثناء من السيناتور "جيمس جيفوردز" عضو مجلس "الشيوخ" المستقل عن ولاية "فيرمونت" الذي كان قد وصف عملية الإدلاء بالأصوات وفقاً لهذا الاختيار بأنها تعد "أهم عملية إدلاء بالأصوات في المسألة برمتها"، ومع ذلك فإن ذلك الخيار لقي المعارضة من كل "سيناتور" من السيناتورات الذين يسعون الآن إلى شغل منصب الرئاسة. فقبل عشر ساعات على أخذ الأصوات على قرار الحرب المدعوم من قبل الإدارة، كانت لدى مجلس "الشيوخ" فرصة لمنع الكارثة الحالية في العراق، وإنقاذ الموقف الدولي للولايات المتحدة. ففي ذلك الوقت اقترح "كارل ليفين" الديمقراطي عن ولاية (ميتشجان) بديلاً للقرار الخاص بشن الحرب وهو القانون المعروف بـ"قانون تفويض الاستخدام المتعدد للقوة" الصادر عام 2002. وكان تعديل السيناتور "ليفين" يدعو إلى الحصول على موافقة الأمم المتحدة قبل التفويض بشن الحرب. وحرص "السيناتور" على صياغة ذلك التعديل بأسلوب بارع حقاً، حيث أكد أن الكونجرس سيقف في وضع الاستعداد والتأهب لإعادة النظر في استخدام القوة إذا لم يتم -في تقدير الرئيس- تبني أو تنفيذ قرار الأمم المتحدة "فوراً". وأكد التعديل -الذي لم يتنازل عن أي حق من حقوق أميركا أو سيادتها للمنظمة الأممية- على حق أميركا في الدفاع عن نفسها إذا ما تعرضت للتهديد. في ذلك الوقت قال أحد المعارضين لتعديل "ليفين" إن المناقشة تدور حول التكتيكات وليس حول الأهداف، وكان على حق في ذلك. فنحن كأعضاء مجلس "شيوخ" في ذلك الوقت، كان لدينا جميعاً هدف نتفق فيه مع بعضنا بعضاً هو سلامة المواطنين الأميركيين، وأمن بلادنا، ونزع أسلحة صدام حسين وفقاً للقرارات الصادرة من الأمم المتحدة في هذا الشأن. ومع ذلك فقد كانت هناك كتلة جوهرية ثابتة منا تؤمن في ذات الوقت بأن التكتيك أو الأسلوب الذي يجب أن يتم به تحقيق هذا الهدف هو الدبلوماسية والتعددية الدولية، وليس أسلوب"الانفرادية" الذي تبنته إدارة بوش. وعارضنا نحن الذين أيدنا تعديل "ليفين" الاندفاع نحو شن الحرب، وأكدنا في ذلك الوقت أن النظام العراقي، وعلى الرغم من كونه نظاماً بشعاً إلا أنه لم يكن يمثل تهديداً وشيكاً لأمن الولايات المتحدة، وأن حملتنا لتجديد التفتيش على الأسلحة في العراق - سواء بالقوة أو بالدبلوماسية- ستنجح في حالة واحدة فقط ،وهي عندما نعمل على تكوين تحالف عريض يضم الدول العربية. في ذلك الوقت أيضاً نصحنا زملاءنا بأن يأخذوا نصائح حلفائنا في المنطقة -مصر والأردن والكويت وباكستان والسعودية وتركيا- على محمل الجد. وأذكر في هذا السياق أن الملك عبدالله ملك الأردن قد حذر حينها من أن "أي خطأ في الحساب في العراق سيغرق المنطقة في بحر من الفوضى والاضطراب". ولكن تلك النصائح لم تلقِ آذاناً صاغية في ذلك الجو المشحون عاطفياً، الذي هيمن فيه "الصقور"، والذي تلا لحظة الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، وجاء قبل أربعة أسابيع من انتخابات التجديد النصفي. عندما تم طرح اقتراح "ليفين" للتصويت وافق عليه 24 فقط في حين عارضه 75. وفي الليلة نفسها التي تم فيها رفض الاقتراح، تمت الموافقة على قرار شن الحرب على العراق بأغلبية 77صوتاً ضد 23. كان من الواضح أن الأعضاء في ذلك الوقت كانوا منيعين على الاقتناع وأنهم كانوا قد حزموا أمرهم على التصويت ضد اقتراح "ليفين" وبنعم على قرار الحرب. في ذلك الوقت لم أستطع أن أستوعب الأسباب التي جعلت قرار "ليفين" يحصل على 24 صوتاً فقط، بيد أن الشيء الذي أود التأكيد عليه أنه كان من ضمن من صوتوا رجال شجعان حاولوا بقدر الإمكان إبطاء الاندفاع نحو الحرب، والتأكيد على أن قرار شن الحرب "يمثل ترجمة غير مسبوقة ولا تقوم على أساس للسلطة الممنوحة للرئيس الأميركي بموجب الدستور، علاوة على أنه يعارض بشكل صريح وواضح ميثاق الأمم المتحدة". إن الأميركيين يشعرون بقلق هائل بشأن ما يحدث في العراق الآن، ويتحرقون شوقاً لقيادة لديها المقدرة على تحقيق استقرار الأوضاع فيه، وإنهاء التورط الأميركي بشكل متدرج. غير أن مطالبة المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية بإلغاء التصويت الذي قاموا به بتفويض الرئيس بشن الحرب يغفل هذه الحقيقة تقريباً. يجب علينا ألا نتجاهل حقيقة أن هناك بديلاً عاقلاً متاحاً في ذلك الوقت غير أنه تم رفضه. لذلك فإن المرشحين لخوض انتخابات الرئاسة القادمة سواء من "الديمقراطيين" أو "الجمهوريين"، يجب أن يتم الآن استدعاؤهم لمحاسبتهم على تصويتهم ضد اقتراح "ليفين في ذلك الوقت". لينكولن دي. تشافي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سيناتور أميركي سابق عن ولاية رودأيلاند، وزميل بمعهد واطسون للدراسات الدولية بجامعة "براون". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"