مراهقو الجيش الإسرائيلي من مجندين ومجندات يتمازحون بسماجة على حاجز قرية "حوارة", باب القفص الأول لمدينة نابلس ومدخل القادمين إليها من جنوب الضفة الغربية. يقيس المجندون بنظراتهم طول وعرض كل من ينزل من سيارات الأجرة ثم يمشي المسافة المفروض قطعها مشياً على جانبي الحاجز. ينتقون بعض العابرين ويسألونهم ويفتشونهم. يقومون بعملهم بآلية باردة، فيما هم يتابعون ممازحة بعضهم بعضاً ويضحكون. لكن وسط ذلك يقبضون على رشاشاتهم المصوبة باتجاه الفلسطينيين والمستعدة للاشتعال في نصف ثانية. وجوه الفلسطينيين يتنازعها الغضب والبؤس واللامبالاة والتحدي والضجر اليومي المتراكم جراء العيش في قفص لمدة تزيد عن السنوات الست. المدخل الشمالي لقفص نابلس هو طرف شارعها الرئيسي الذي يربطها بطولكرم وجنين ثم مدن الشمال الفلسطيني, حيفا ويافا وعكا والجليل. هذا المدخل أشد إغلاقاً وإحكاماً من الأول. نابلس ترقد في وهدة جغرافية بين جبلي "عيبال" و"جرزيم" والجبال المحاذية لها. البيوت الفلسطينية تتعربش على سفوح الجبال وتصعد متحدية الجغرافيا وناطقة باسم الحياة المصرة على التنفس. البيوت تتوق لتصل قمم الجبال, كأنما تبحث عن هواء فيه حرية أكثر. لكن قمم الجبال تلك خط أحمر إذ عليها مراكز مراقبة إسرائيلية من الجهات كلها. تغدو نابلس أسداً جريحاً أنهكته محاولات النهوض وارتياد هضاب الجبال, فيما جمع من الصيادين اللئام يوسعونه رمياً بالرصاص كلما اشرأبت عنقه باتجاه الهضاب التي خبرها في غابر مجده. نابلس عاصمة شمال الضفة الغربية, كانت دوماً قلبها النابض وشريان اقتصادها المتدفق, ومعقل مقاومتها الدائمة: هي جبل النار. أينما وحيثما نظرت ترى بقايا ازدهار وتجارة مرت بهذه المدينة الصامدة. أكثر ما يجرح أهلها الشطار في التجارة والاقتصاد أنهم صاروا عاجزين ومشلولين. يؤلمهم أن دعة مدينتهم وماضيها العامر أصبح أمراً من الماضي خلال السنوات العجاف الماضية. شارعها الرئيسي الكبير الذي يربط المدخلين لم تقبل إسرائيل تسليمه إلى السلطة الفلسطينية حتى في "عز أيام اتفاقات السلام", فقد بقي تصنيفه (ج), أي أن السيطرة الأمنية عليه من حق إسرائيل. ومعنى ذلك أنه في أي وقت من الأوقات بإمكان الجيش الإسرائيلي, وبحسب اتفاقات السلام! أن يجوب الشارع ويمنع من يريد أن يمنع من المرور عليه. عملياً يقود ذلك إلى شق المدينة إلى نصفين منقطعين عن بعضهما بعضاً. جامعة النجاح الفلسطينية التي تأسست في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي كمدرسة ثانوية, هي إحدى أهم معالم المدينة, يحتضن جزئي مبانيها حي "رفيديا", أحد أرقى أحياء المدينة. ما زال فيها ألق كبير رغم التدهور الذي حل بالمدينة. الآن يرتادها أكثر من خمسة عشر ألف طالبة وطالب, يدرسون كافة العلوم بما فيها الطب. الجامعة كانت دوماً منارة علم ومقاومة, فمنها تخرجت قيادات فلسطينية عديدة قديماً وحديثاً, وفيها تنافست كتل سياسية صار لها ولزعمائها مواقع كبيرة فيما بعد. آخرهم الدكتور ناصر الدين الشاعر نائب رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم العالي كان رئيساً للكتلة الإسلامية فيها. لكن يبقى قلب المدينة الأثير هو بلدتها القديمة: فهنا، وكسائر المدن العربية والإسلامية الكبرى، تكمن بصمة التاريخ وعراقته المبهرة. هنا نابلس الواثقة بنفسها وروحها وامتداداتها. البيوت المتراصة والحوانيت المتوارثة والأزقة الملوية والأدراج الحجرية وسبل الماء النابتة هنا وهناك والساحات الفجائية وسط تشعبات الطرق الضيقة، يعود تاريخها لعقود طويلة خالية. نابلس من أقدم مدن العالم, ولا يتجلى فخر "النوابلسة" بمدينتهم كما عند أهل البلدة القديمة. فهذا الحانوتي يستوقفنا بأسئلة اختبارية قائلاً: أتعرفون لماذا سمي الجامع المجاور بالمنارة؟ نقول لا. فيقول تيمناً بالمدينة المنورة. ثم يتابع أتعرفون لماذا سمي هذا الشارع بشارع النصر؟ نقول لا. فيقول لأن صلاح الدين هو الذي سماه! يهز رأسه كالعارف ببواطن الأمور ثم يقول: لن أتابع ولن أقول لكم أشياء أخرى ليس عن الماضي هذه المرة, بل عن المستقبل. سترون أشياء عظيمة أصلها من نابلس! كنا قد دلفنا مكاناً مجاوراً للحانوتي نأكل "التمرية", حلوى ساخنة كانت فطور أهل المدينة في عقود ماضية. لكن الحلوى الأكثر اشتهاراً في نابلس, وماركتها العالمية, هي الكنافة النابلسية. وفي محل الأقصى المتواضع لكنه الأهم والأشهر في المدينة كلها كانت أطباق الكنافة تتكدس على طاولتنا الصغيرة. على يسار المحل نزولاً هناك "درج اليهود", فلما سألت عن التسمية أجاب كبار السن أنه بجانب هذا الدرج كانت تعيش عدة عائلات يهودية فلسطينية قبل حرب 1948. وكان منهم صائغ شهير. ويعود تاريخ تلك العائلات إلى أزمان بعيدة لا يذكرها أحد من الموجودين, لكنهم يعرفون أن أولئك اليهود فلسطينيون عاشوا في قلب المدينة القديمة بوئام وتعايش ومن دون فلسفة أو تنظير حديثين. كان "الختيار" النابلسي العريق صاحب المحل لبقاً وذرب اللسان وذا ثقافة مدهشة. قال لنا: اليهود الذين كانوا هنا كانوا منا, كانوا فلسطينيين, لكن اليهود الذين جاءوا من أوروبا هم القتلة، وهم الذين دمروا الحياة هنا. قيل لنا أيضاً إنه ضمن حي اليهود الصغير كان هناك كنيس يخدم الجالية اليهودية الصغيرة, غير بعيد عن الجامع الكبير. في البلدة القديمة أيضا بصمة أخرى من بصمات اشتهار نابلس, وهي هذه المرة بصمة اقتصادية: إنها مصانع الصابون النابلسي التقليدي. "المصابن" كما تُسمى هنا يعود عمرها لقرون طويلة إلى الوراء, تتوارثها العائلات أباً عن جد. والصابون النابلسي المعتمد على زيوت المنطقة والخالي من الإضافات الكيماوية لا زال واحداً من مكونات بيوت غالبية الفلسطينيين, أو جزءاً من هوية البيت الفلسطيني حتى خارج فلسطين. فإن احتل الزيت والزعتر والمريمية موقعاً أثيراً في المطبخ, فإن الصابون النابلسي هو ملك الحمام! لكن بعض المصابن, وربما أكبرها, تعرض لتدمير مريع خلال الاجتياحات الإسرائيلية للبلدة القديمة بعد الانتفاضة الثانية. تدمير المصابن كان جزءاً من تدمير الذاكرة والتاريخ الفلسطيني. كلما انهدم جدار في هذه البلدة العريقة انهدم جزء من قلب فلسطين وروحها. ولئن كانت البلدة قد احتضنت المقاتلين الفلسطينيين خلال الانتفاضة الثانية وبالغت في احتضانهم, كما صورتهم ريشة "سحر خليفة" بإبداع في "ربيع حار", فقد صار من واجب هؤلاء المقاتلين رد الجميل لهذه البلدة والحفاظ عليها وعلى تاريخها بعدم توفير المبررات لإسرائيل لاقتحامها وإمعان التدمير فيها. بقاء بلدة نابلس القديمة عريقة وشاهدة على تاريخ مزدهر لوجود فلسطيني ضارب في التاريخ أهم بكثير من أي شيء آخر, حتى من قيام انتفاضة ثالثة.