"التكفير" و"الحاكميّة" و"القتال" و"الجهاد" و"الولاء والبراء" و"السُّنّة" و"الشيعة"، مصطلحات ومفاهيم تكاد تفرض سيطرتها ومركزيّتها في التفكير الديني المعاصر، ومهما تباينت المواقف في النظر إليها ممن يذهب بها إلى أقصى اليمين وآخر يعارضه ليوصلها إلى آخر اليسار، وما بينهما أطياف متنوعة، غير أن الثابت الوحيد هو أن هذه المصطلحات والمفاهيم تفرض نفسها على المشهد المعاصر فكرياً وواقعياً، وتفرض على الكاتب والباحث والمفكر أن يتناولها راغباً أو راغماً. من المؤكد أن هذه المصطلحات والمفاهيم قد ترددت على الكثيرين داخل العالم العربي والإسلامي وخارجه، قرأها بعضنا، وسمعها البعض الآخر، إما في البحوث والكتب المطبوعة، أوفي الصحف، أو في الفضائيات، أو في أشرطة الكاسيت، أو في الإنترنت، فابن لادن -قبل أن ينقطع خبره عن العالم- لا يكاد خطاب له يخلو من هذه المصطلحات والمفاهيم إما جميعها أو بعضها على الأقل، والظواهري يكرر ذات المصطلحات والمفاهيم، والزرقاوي يزيدها شحناً وتركيزاً، وقلْ مثل هذا عن رموزٍ أقلّ حضوراً وتأثيراً في الخطاب الديني، ومن يخالفون هؤلاء في توجههم العنيف ويردّون عليهم -سواء من داخل الخطاب الديني أم من خارجه- يحاولون تقديم قراءة مختلفة لهذه المفاهيم والمصطلحات، ولكن المهم هو أنهم مجبرون على تناولها والحديث عنها، وعاجزون تماماً عن تجاهلها. إن المفاهيم والمصطلحات التي تنشأ في بيئة ما وتفرض نفسها على المجتمع، تجبر العقل على أن يعتمدها كمفاتيح معرفيّة للفهم أولاً، ولإيصال الأفكار أو تصديرها والدعوة إليها ثانياً، وذلك لما تمتلكه هذه المصطلحات والمفاهيم من إثارة وجذب قويّين لدى المتلقين في اللحظة الراهنة. إن الخطورة لا تظهر في فرض هذه المفاهيم والمصطلحات لنفسها فحسب، بل تكمن كذلك في ما تلغيه أو تهمّشه هذه المفاهيم من مفاهيم أخرى، وعلى سبيل المثال، فإن مفاهيم شرعية أخرى كـ"التيسير" و"التسامح" و"التعايش" و"الرحمة" و"العلم" و"المعرفة" ونحوها، جميع هذه المفاهيم تصبح هامشية وغير شعبيّة مقارنة بالمفاهيم السابقة، وهنا يكمن انحراف كبير في مسيرة الخطاب الديني في المجتمعات المسلمة. إنه يعني باختصار انتصار مفاهيم متشددة ومأزومة على أخرى ميسّرة ومتسامحة، وهو ما يدلّ على خلل كبير في ترتيب الأولويات في الخطابات الدينية المعاصرة. إن المفاهيم تلعب دوراً رئيساً في فهمنا للعالم والأحداث والأفكار من حولنا، ودوراً آخر لا يقل أهمية في التأثير على انتقائنا لخياراتنا وقناعاتنا وعقائدنا، وهي أشبه ما تكون بجهاز الراديو الذي يرسل ولا يستقبل، تحدثنا، تقنعنا، تحثنا على الفعل، ولكنها أبداً لا تستمع لنا، أبداً لا تستجيب لمخاوفنا أو تحفظاتنا. وبتعبير آخر فهي أشبه ما تكون بالنظارة ذات اللون الواحد، إن كانت حمراء جعلتنا نرى كل المشاهد من حولنا باللون الأحمر، وإن كانت سوداء صبغت الكون بالسواد، وإن كانت بيضاء عمّ البياض وانتشر! بناء على هذه التشبيهات فإن السؤال هو: هل نختار نظّارتنا التي نلبسها أو الراديو الذي نستمع إليه؟ أو بتعبير أصرح هل نختار المفاهيم والمصطلحات التي نفكّر ونعبّر من خلالها؟ إن الجواب هو: نعم ولا في الوقت ذاته، فهي في وقتٍ ما كانت خياراً ولكنها تحوّلت مع الوقت وتفاعل عناصر متعددة بعضها سياسي وبعضها ثقافي وبعضها ديني وبعضها اجتماعي وبعضها اقتصادي، تحولت بسببٍ من هذا كلّه من كونها خياراً إلى كونها ضرورةً تفرض نفسها لا خياراً ضمن خيارات متعددة، أو هي كما قال بعض العلماء عن العشق -مع الفارق طبعاً- "بدايته اختيار ونهايته اضطرار". للمفاهيم والمصطلحات دورة حياة معيّنة، بغض النظر هل تطول هذه المدّة أم تقصر، بمعنى أن لها بداية تصل بعدها للذروة ثم تتوارى أو تموت فاسحةً المجال لمجموعة أخرى من المفاهيم والمصطلحات لتحلّ مكانها، فعلى سبيل المثال كانت مفاهيم مثل الرأسمالية والاشتراكية بكل المفاهيم المتفرعة عنها تحكم رؤية العالم لنفسه في حقبة غير بعيدة مضت. واليوم خرجت مفاهيم أصولية في الشرق والغرب، استطاعت أن تفرض هيمنتها ونفوذها على التفكير والتفاعل البشري على كل مستوياته الدنيا والعليا، مفاهيم مثل التي قدّمنا بها في ناصية المقال لدى العالم الإسلامي. أما الغرب فتتحكم فيه مفاهيم مثل "الحريّة" و"الديمقراطية" و"نهاية التاريخ" و"هرمجدون" ونحوها، مع كل ما يتمّ فرضه على هذه المفاهيم من ابتسارٍ وسياقاتٍ وتوظيفاتٍ، إلا أنها رغم ذلك كلّه تبقى علامات فارقة تتحكم في التفكير والجدال وتقدّم نفسها كأدوات خطيرة لإدارة الخلافات والصراعات والحروب. هل التوتّر الذي تعيشه البشريّة، والاحتقانات الاجتماعية والسياسية، والعودة إلى الأصولية الدينية، هل هذه جميعاً كانت الحاضنة الحقيقية لهيمنة وتسيّد مثل هذه المفاهيم؟ أم أن هذه المفاهيم هي التي أدت إلى التوتر والاحتقان والأصولية؟ لا يزعم كاتب هذه الحروف أن لديه جواباً ناجزاً على هكذا تساؤلات، غير أن ما يمكن طرحه هو أن هذه المفاهيم ليست خالدة –كما تقدّم- بل إن لها عمراً محدوداً، والسؤال هو: متى تنتهي الحقبة التي تسيطر فيها هذه المفاهيم لتفسح المجال لمفاهيم أخرى؟ وهل يمكن لنا كبشرٍ أن نؤثّر في اختيار المفاهيم والمصطلحات التي ستحلّ يوماً ما مكان هذه المتداولة اليوم؟ أحسب أن إدخال أو فرض مفاهيم جديدة، مهمةٌ ليست سهلة بحال، لكنها ليست مستحيلة في الوقت ذاته، فخلق مفاهيم جديدة أكثر عقلانية وأكثر انحيازاً للتسامح أمرٌ وإن لم تكن ثمرته دانية وقطافه ميسوراً، إلا أن العمل على خلقه والسعي له سيشوّش -بالتأكيد- على تسيّد المفاهيم المتشددة على المشهد المعاصر، والتشويش بحدّ ذاته مكسب، ثم تعقبه مراحل أخرى لترسيخ المفاهيم الجديدة. حين تكون المفاهيم والمصطلحات متعلّقةً بالدّين فإن مهمة خلق المفاهيم الدينية الجديدة يفترض أن تقوم بها أصالةً المؤسسات الدينية الرسميّة، بشتى تصنيفاتها، سواء تلك المختصة بالفتوى أم بالوعظ والاتصال الجماهيري أم بالتعليم. غير أنّ هذه المؤسسات جرى العمل في أكثر البلدان العربية على تهميشها واستتباعها للسياسي بشكل أفقدها المصداقية، وأجبر الجماهير الدينية على البحث عن مرجعيّات دينية أخرى تمتلك مصداقية لديها، فكان اللجوء لبعض رموز الإسلام السياسي ورموز السلفية الجهادية وجماعات العنف الديني. كما لا يمكن أن نلغي دور المؤسسات الأخرى في خلق المفاهيم الجديدة، أو على الأقل خلق البيئة التي تسمح للمفاهيم والمصطلحات الجديدة بالنموّ واكتساب القوّة، ومن هذه المؤسسات، المؤسسات السياسية بتنوعاتها، ومؤسسات التعليم العام والخاص والعالي، ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الخيرية، ونحو ذلك، كما أن بناء تنمية حقيقية تلامس حاجات الفرد الأساسية وتوفّرها له ستكون داعماً فاعلاً ومهماً في هذا الاتجاه. إن ما شهدته العقود القليلة الماضية كان انحداراً مأساوياً في المفاهيم، من "الخلافة" والتحزّب وإلغاء الآخر لدى "الإخوان المسلمين"، إلى "الحاكمية" و"الجاهلية" لدى سيّد قطب والمدارس المتفرعة عن فكره، إلى "الجهاد" والقتال لدى جماعات العنف الديني في مصر، إلى التكفير والقتل الجماعي والدمويّة لدى جماعات "القاعدة" في عددٍ من البلدان العربية وفي العالم. وكل ما نأمله أن تتمّ السيطرة على هذا الانحدار وأن يكون هناك عملٌ حقيقيٌ عبر مشاريع وخطط وبرامج تسعى لإيقاف هذا الانحدار وإلغاء هذه المركزية للمفاهيم المتشددة مع السعي في ذات الوقت إلى نشر مفاهيم أكثر تسامحاً وأكثر فائدة ونفعاً للمجتمعات العربية والإسلامية.