تستطيع الأنظمة العربية إن أرادت أن تضع حداً للملفات الهامشية البائسة التي تفتحها تيارات الإسلام السياسي من وقت إلى آخر، فتشغل بها الرأي العام المحلي عما هو أهم وأجدى، بحجة الدفاع عن حياض الأخلاق وقيم المجتمع وخصوصياته. فما على هذه الأنظمة أمام محاولات الجماعات الإسلامية تقييد الحريات والحقوق الفردية والخيارات الشخصية مثلاً سوى التمسك بدساتيرها، التي ينص معظمها على كفالة تلك الحقوق وتجريم التلصص على خصوصيات الأفراد وتأكيد حرية المواطن في الاختيار. وبعبارة أخرى يمكنها، إن أرادت، أن تفعل ما فعلته ماليزيا مؤخراً، وهي دولة إسلامية، وغالبية سكانها مسلمون لا يمكن الطعن في إيمانهم وتمسكهم بدينهم، وصاحب القرار الحالي فيها رجل متخرج من كليات الفقه والشريعة وينحدر من عائلة تبوأ رموزها مناصب القضاء والإفتاء، وبما لا يمكن معه لأحد أن يزايد عليه أو يتهمه بالكفر أو يأخذ عليه ضعف علمه الشرعي. هذه البلاد التي ما برحت تعطي الدروس للآخرين في العالمين العربي والإسلامي في كيفية بناء الدولة المدنية العصرية، وإقامة النظام الاتحادي المتماسك ما بين سلطنات وولايات متفرقة، وصياغة توليفة فريدة ما بين الموروث والحداثة، وخلق الهوية الوطنية الجامعة ما بين قومياتها وإثنياتها المختلفة، والانتقال من بلد كان لا ينتج سوى المطاط إلى كيان صناعي وتكنولوجي مزدهر، وتقديم نموذج وضاء في التعليم وتنمية الموارد البشرية والسياحة وجذب الاستثمارات الأجنبية، وغير ذلك من الدروس التي فصَّلناها في أكثر من مقال وكتاب، أعطتنا مؤخراً درساً جديداً وذلك حينما حزم رئيس حكومتها عبدالله أحمد بدوي أمره، فأغلق ملفاً كاد يزرع الشقاق في المجتمع ويوتر أجواء السلم الأهلي، ويقود إلى خسائر اقتصادية ويحرم البلاد من السياحة التي هي إحدى دعائم اقتصاد البلاد. ففي الأسبوع الماضي وضع "بدوي" بقرار جريء منه حداً لمحاولات وخطط الجماعات الإسلامية الماليزية المتشددة في ولاية "ترينغانو"، لتشكيل جماعات شبيهة بالشرطة الدينية ونشرها في الميادين العامة والمنتزهات والمنتجعات والمطاعم والفنادق ودور السينما من أجل التجسس والتلصّص على سلوكيات الناس وخصوصياتهم، أي التدخل في حياتهم وخياراتهم وتوقيفهم وتجريمهم، قائلاً بلغة حاسمة إن هناك ما هو أهم وأكثر منفعة للشعب الماليزي من صرف الجهد والوقت والمال العام في قضايا هامشية، ومضيفاً أن ما هو معمول به من قوانين للحد من الخلوة غير الشرعية وتكريس القيم الاجتماعية الإسلامية كافٍ. فهذه الجماعات التي يبدو أنها تأثرت بالفكر الديني والفتاوى الشرعية السائدة في بلدان الشرق الأوسط الإسلامية كنتيجة لاحتكاكها برموز هذا الفكر أو تلقيها العلم الشرعي على أياديهم، لم تجد -بعد فشلها الذريع أمام حزب "أومنو" الحاكم أثناء الانتخابات العامة الماضية في تعزيز مكاسبها والاحتفاظ بحكم ولاية "ترينغانو" التي حكمتها ما بين عامي 1999 – 2004 ما يعيد إليها الأضواء سوى اللعب على وتر الأخلاق والفضيلة، والادعاء بأنهما باتا مهددين في ماليزيا. فقامت بطرح مشروع قانون يتيح للجهات الرسمية تجنيد وتدريب موظفين وندلاء مطاعم وعمال فنادق للإبلاغ عن روابط العشق وعلاقات ما قبل الزواج ومقابلات الأحبة واتصالاتهم الهاتفية وحفلاتهم الخاصة المختلطة. وما لم يقله رئيس الحكومة في معرض معارضته، قالته وفصّلته الصحافة الماليزية ومنظمات المجتمع المدني -بما في ذلك الصحف والتنظيمات المعبرة عن الاثنية الملايوية المسلمة كمنظمة "أخوات في الإسلام" التي تدافع عن المساواة الجندرية بقيادة الناشطة زيتون قاسم- التي عبّرت بقوة عن استيائها وخشيتها من هذه المحاولات الهادفة إلى تغيير الوجه المتسامح والمعتدل للإسلام الماليزي شيئاً فشيئاً، وصولاً إلى ما يشبه فرض "الإسلام الطالباني" الذي وصل تشدده وتطرفه إلى حد وشم أذرع النساء بأسماء أزواجهن، وتحريم أشرطة الكاسيت والاستماع إلى المذياع، بل والتجسس على من كان يدندن بينه وبين نفسه، بما في ذلك الأمهات اللواتي كن ينشدن الأغاني الشعبية في بيوتهن من أجل تهدئة أطفالهن الرضع في المهد. ومما قيل في تبرير الرفض المطلق لهذه الإجراءات المقترحة أنها تفتح باباً لانتهاكات صارخة للحقوق الشخصية، واعتداءات على كرامات الناس وخصوصياتهم، ومشاكل وخصومات لا حصر لها، في بلد يدين نحو 35 في المئة من سكانه من ذوي الأعراق الصينية والهندية بغير الإسلام، وذلك على نحو ما حدث في البلاد الإسلامية التي جربت الشرطة الدينية، فكانت الأخيرة سيفاً مسلطاً على الرقاب ومصدراً للوشايات واستغلال النفوذ وأعمال الانتقام الشخصية والاعتقالات القائمة على الشكوك والظنون. ثمة أمر آخر أثارته الجماعات المعارضة ويجدر التوقف عنده، هو أن تطبيق الإجراءات المقترحة سيؤسس لظاهرة خطيرة قد تتطور مستقبلاً إلى تعميم فكرة التجسس والتلصّص على كل شيء، فيتجسس الابن على أبيه والمرؤوس على رئيسه والشرطي على قائده والطالب على معلمه وهكذا، وصولاً إلى مجتمع الخوف والرعب والشك على نحو ما كان سائداً في ألمانيا الشرقية ورومانيا في ظل نظاميهما البوليسيين الشيوعيين، أو ما كان سائداً في العراق زمن النظام "البعثي". إلى ذلك حذر "حزب العمل الديمقراطي" المعارض المعبر عن الاثنية الصينية من الانعكاسات المدمرة للمقترحات الجديدة على قطاع السياحة الماليزي وغيره من قطاعات الأعمال ذات الصلة، خاصة في وقت يواجه فيه هذا القطاع الحيوي منافسة شديدة من دول الجوار التي ما برحت تتفنن في تقديم المغريات والتسهيلات لجذب السياح من أوروبا وأستراليا واليابان تحديداً. فهؤلاء من الطبيعي أن يصرفوا النظر عن ماليزيا بكل مغرياتها الطبيعية ويتوجهوا إلى أماكن أخرى إذا ما شعروا بوجود من يتجسس على خصوصيتهم للإيقاع بهم، على نحو ما حدث في العام الماضي حينما داهمت السلطات في منتجع "لينغكاوي" التابع لمقاطعة "بيرليس" بإيعاز من المسؤولين الدينيين شقة كان يسكنها رجل وامرأة طاعنان في السن من الجنسية الأميركية بحجة مقاومة الخلوة غير الشرعية، ليتبين أنهما متزوجان. وكان من نتائج هذا العمل المتسرع والقائم على الشكوك والوشاية أن وقعت كوالالمبور في حرج شديد أمام العالم، لم ينفع معه الاعتذار الرسمي، ومسارعة مفتي الولاية الدكتور "محمد عصري زين العابدين" إلى إصدار أمر بوقف مثل هذه الممارسات، ومبادرة الحكومة المحلية إلى اقتراح إجراءات للحد من التجسس والتلصص على المواطنين والوافدين. والحال أن مثل هذه المحاولات والمقترحات من قبل جماعات الإسلام السياسي المتشددة ليست سوى انعكاس لإفلاسها وعدم امتلاكها لبرامج وسياسات تلامس القضايا والمعضلات الجوهرية ذات الصلة بالتنمية والنهضة واللحاق بالعالم المتقدم. فتنشغل بالهوامش وتشغل المجتمع معها. د. عبدالله المدني باحث ومحاضر أكاديمي في الشؤون الآسيوية elmadani@batelco.com.bh