تظهر تقارير الأمم المتحدة الصادرة مؤخراً الحاجة العاجلة والمُلحة لحماية الأطفال من الفقر والأمراض والتشغيل. والحال أنه بالرغم من مصادقة 192 دولة على اتفاقية حقوق الطفل، إلا أن الأطفال مازالوا يعانون انتهاكات سافرة لحقوقهم، ومن ذلك حقهم في الحياة والحرية. يشير تقرير لمنظمة "اليونيسيف" نشره مركز "إينوسانتي" البحثي عام 2005 إلى أن 192 دولة صادقت على اتفاقية حقوق الطفل باستثناء الصومال والولايات المتحدة الأميركية. ونتيجة لذلك، يلفت التقرير المذكور إلى أنه لم يعد ممكناً التغاضي عن رفض الولايات المتحدة المصادقة على الاتفاقية باعتبار أن "عدم مشاركتها توشك أن تتحول إلى معارضة قوية" لاتفاقية حقوق الطفل. في غضون ذلك، مازال الأطفال عبر العالم يعانون من الجوع والأمراض واستغلالهم في العمل والوقوع ضحايا للنزاعات العنيفة، رغم أن القانون الدولي ينص على ضرورة حماية الأطفال من النزاعات المسلحة، وعدم سلب حريتهم، وتلقيهم معاملة خاصة في النظام القضائي. فقد استُهدف الأطفال بشكل مباشر في المذابح الوحشية التي شهدتها رواندا، دون أن يحرك العالم ساكناً. بل إن مجلس الأمن الدولي نفسه الذي شكل محكمة لمعاقبة مجرمي الحرب في رواندا، فرض عقوبات قاسية على العراق؛ كان من نتائجها معاناة الأطفال هناك. ولم يكن الأمر وليد الصدفة! فقد قدر تقرير لمنظمة "اليونيسيف" عام 1999 أن نصف مليون طفل عراقي قتلوا بسبب العقوبات. علاوة على ذلك، تم تدمير البنى التحتية العراقية كمحطات توليد الطاقة وتصفية المياه، بشكل ممنهج ومتعمد. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "واشنطن بوست" (23 يونيو 1991) عن "الكولونيل جون واردن"، الذي يوصف بمهندس الحملة الجوية على العراق، اعترافه بـ"أننا كنا نهدف من ضرب البنى التحتية إلى تسريع آثار العقوبات". وسألت "ليزلي ستال" من برنامج "60 دقيقة" على قناة "سي بي أس" وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت في مايو 1996 قائلة: سمعنا أن نصف مليون طفل ماتوا، وهو عدد يفوق عدد الأطفال الذين قُتلوا في هيروشيما، فهل الأمر يستحق هذا الثمن؟ فأجابت أولبرايت، في اعتراف ينمُّ عن عدم الاكتراث بالآثار القاتلة للعقوبات على الأطفال العراقيين، بالقول: "نعتقد أن الأمر يستحق هذا الثمن". وإلى ذلك قال الدبلوماسي الأيرلندي "دينيس هاليداي"، الذي استقال من منصب المنسق الإنساني في العراق عام 1998، إن الولايات المتحدة يمكن "تحميلها مسؤولية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ومنها جريمة الإبادة الجماعية" بسبب العقوبات. وعلى رغم كل ذلك، يبقى من غير المرجح تشكيل محكمة أممية لتحديد المسؤولية الجنائية في موت أطفال العراق بسبب العقوبات. وقد عانى الأطفال أيضاً في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، إذ يذكر تقرير لـ"منظمة العفو الدولية" في نوفمبر 2006 أنه "رغم أن الحرب وضعت أوزارها، فإن الأطفال ما زالوا يُقتلون ويصابون بسبب القنابل العنقودية التي أسقطها الجيش الإسرائيلي". وفي فلسطين، مازال الأطفال يدفعون ثمناً باهظاً؛ إذ أظهر تقرير منظمة "بتسليم" الحقوقية الإسرائيلية لعام 2006 أن المقاومين الفلسطينيين قتلوا خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية 119 طفلاً إسرائيلياً، لكن القوات الإسرائيلية قتلت 811 طفلاً فلسطينياً. كما قتلت القوات الإسرائيلية في قطاع غزة لوحده خلال الأشهر القليلة الماضية نحو 405 فلسطينيين، من بينهم 88 طفلاً. وفي غضون ذلك، يتم تذكيرنا يومياً بأن أطفال العراق يعانون ويقتلون، مثلما حدث في الثامن والعشرين من يناير، حين استهدفت قنبلة مدرسة للبنات في بغداد، ما أسفر عن مقتل 5 بنات أعمارهن بين 12 و16 سنة، وإصابة 20 أخريات.