حينما يختار الإنسان طريقاً في الحياة، ويعتقد بل ويؤمن أنه الخط الصحيح والذي يخلق لديه توازناً بين حياته الفردية أو الجماعية وبين قناعاته الفكرية، في أغلب الأحيان يكون اختياره صعباً. إلا أن إرادة الإنسان في التغيير والعمل من أجل المستقبل، لا تترك مجالاً للتراجع، ومن هنا تبدأ رحلة الصراع والمقاومة، ورحلة الغربة في عالم واسع سواء نحو الشرق أو الغرب. ويبقى الإحساس بالاغتراب عن الوطن هو مأساة المبدعين والمفكرين على مر التاريخ. منذ فجر التاريخ ظهرت العديد من الحالات التي تؤكد على أن للدفاع عن المستقبل ثمناً باهظاً، قد يكون حياة الإنسان، إلا أن الأعظم أن يبقى ذلك في الداخل. والمقصود أن يعيش ذلك الإنسان في صراع داخلي، يعمق من شعوره بقرب الفجر الجديد. إلا أن المعوقات الداخلية والخارجية تحول دون ذلك على المدى القريب.
كم من المبدعين العرب وغيرهم اشتاق إلى أرض وطنه، إلى ذلك المكان الذي قضى فيه فترة طفولته. فقد مات الشاعر العظيم الجواهري خارج وطنه، وكم تغنى بأرض العراق وكتب للإنسان العراقي. وقبله بدر شاكر السياب، وما يزال الكثيرون يعيشون في المنافي بعيداً عن رائحة تراب الوطن.
إنها المعادلة التي لا يمكن أن تنسى لمرحلة طويلة، حينما تكون السلطة السياسية ذات بطش ولا تفكر إلا بنفي الآخر. وكم من السياسيين تم نفيهم إلى خارج الوطن العربي، وكم من عالم تم إبعاده عن وطنه، وبالتالي تم احتضانه في مجتمعات تقدر حق الإنسان في الإبداع والعمل والعيش كإنسان.
مرت بخاطري هذه الأفكار، وخبر رحيل الأديب الكبير عبد الرحمن منيف تتناقله الألسن قبل أن تتناقله وسائل الإعلام. عبد الرحمن منيف ذلك الروائي الرائع الذي كتب عن هموم وطموحات الإنسان العربي. ومن خلال الرواية وثق مرحلة التحول في الجزيرة العربية في مدن الملح. لقد رسم صورة شخصيات مختلفة تعيش في المجتمع، وقبل ذلك كتب العديد من الروايات التي تعبر عن الهم العربي، عن الإنسان المقهور ذي الملمح الحزين، إنسان محاط بالقهر والحرمان، لقد مر بتجارب عديدة، فمن بلد إلى آخر حاملاً شعلة الحرية والإبداع. كان إنسانا رائعاً في علاقاته مع الآخرين، كما يؤكد كل من كانت له علاقة به سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ولعله في رواية شرق المتوسط صور القمع الذي يمارس ضد الإنسان.
لقد أدرك العالم المتحضر أهمية ما يقوم به الأديب الراحل عبد الرحمن منيف. فقد اختارت اللجنة الأوروبية للثقافة ترجمة كتابه سيرة مدينة إلى عدة لغات أوروبية إدراكاً منها بأهمية ذلك الكتاب الذي يورد فيه ذكرياته في مرحلة الطفولة، وفيها يقارن الأديب بين مرحلتين من حياة مدينة.
كم هو حزين أن يرحل الإنسان عن هذه الحياة بعيداً عن وطنه وهو يعاني من المرض، مع أن عبد الرحمن منيف لم يكن قطرياً، ولم يكن يؤمن أنه ينتمي لقطر دون آخر. لقد آمن عبد الرحمن منيف بالوطن الواحد منذ نعومة أظفاره ولم يكن يؤمن ولو للحظة واحدة أن هذا الوطن من المحيط إلى الخليج ليس وطننا جميعاً من حقنا أن نعيش فيه أينما نشاء وأنى نشاء. من هنا يمكن أن نفهم أن يكون عبد الرحمن منيف واحداً من الذين انضموا لحزب قومي عربي في مرحلة مبكرة من حياته، إلا أن عبد الرحمن منيف كان واحداً من الشباب العربي القلائل الذين فهموا القومية العربية فهماً صحيحاً وأدركوا في وقت مبكر أن القيادات التي تتصدى لبناء المشروع القومي ليست أهلاً لهذا المشروع، فحاول شق طريقه الإنساني والسياسي بعيداُ عن تلك الأحزاب في محاولة جادة لإيجاد طريق للوحدة والحرية تمتزج فيها الوحدة بالديمقراطية، فأية وحدة لا تبنى على الديمقراطية لن تكون وحدة وأي حزب لا يؤمن بتداول السلطة لن يكون قادراً على بناء المشروع النهضوي العربي.
لقد كسر عبد الرحمن منيف الطوق مبكراً وخرج من دائرة الأحزاب التي ترفض الآخر وتبعده أياً كانت قوة تلك الأحزاب، وحاول أن يؤسس لفكر قومي يقوم على الاشتراكية العلمية والديمقراطية الحقة.
اليوم يموت عبد الرحمن منيف والمشروع القومي النهضوي لم ينجز، بل إن هذا المشروع يتعرض يوماً بعد يوم لنكسة بعد نكسة وآخر تلك النكسات احتلال العراق من قوى خارجية.
عبد الرحمن منيف أحد الكتاب القلائل الذين رصدوا احتلال العراق من موقع مختلف عن الأصوات التي نسمعها، فكان كتابه عن العراق ومقاومته آخر الكتب المهمة التي أصدرها قبل وفاته، والتي بينت تاريخ العراق المقاوم عبر التاريخ، وعبد الرحمن منيف ليس بعيداً عن العراق الذي عرفه طالباً متمرداً ومفكراً حاول من خلال إدارته لمجلة النفط أن ينبه في وقت مبكر على أهمية بترول المنطقة في إدارة الصراع العالمي حولها.
إن الذين يعرفون عبد الرحمن منيف يعرفون جيداً أن دوره في بناء مشروع نهضوي عربي لا يقل أهمية في حال من الأحوال عن دوره في التأسيس لرواية عربية معاصرة ذات سمات متميزة.
إن رحلة عبد الرحمن منيف والتي استمرت لنحو سبعة عقود من الزمان، فيها الكثير من المنعطفات التاريخية في الوطن العربي، وكلها للأسف