عندما كتبت مقالتي حول النمطية العربية وأوردت ما كتبه محمد الرفاعي بمجلة "صباح الخير" حول الصنادل التي تفوح منها رائحة البداوة، وما نشر في "الحادثة" المصرية وهي صحيفة جديدة، وما أوردته حول برنامج هالة سرحان "فتيات الليل"، وكيف شنت الصحيفة هجومها على سيدات الخليج وممارساتهن في مصر, كان تساؤلي حول العلاقة بين برنامج "فتيات الليل" والهجوم على الخليج. وصلتني ردود عديدة تميزت بالإفراط في الحساسية, فأحدهم يقول إن الخليج فاقد للأهلية (يقصد قلة الخبرة والتأهيل)، لذا جاء المصريون لمساعدتهم، لكنهم يتعرضون الآن للذل في بعض الدول الخليجية! وآخر يتحدث عن فنادق مصر وما شهدته من سلوكيات لبعض بنات الخليج! بكل بساطة أنا لم استثن الخليج من ظاهرة "بنات الليل", فمجتمعاتنا ليست مجتمعات الملائكة، وفيها كل ألوان السلوك البشري، وقد أكدت بأن مصر ليست كلها "بنات الليل"؛ ففيها العقل والحضارة. والسؤال: لماذا هذه الحدة في قراءة نقد الآخرين؟ لماذا برنامج حول ظاهرة بنات الليل يثير الحمية على مصر, وقد قدمته مصريه, بينما لا يثير حفيظتهم جريمة الدم الفاسد وأطفال الشوارع والفساد وغيرها من ظواهر خطيرة. الجواب يكمن في ما أسميه الإفراط في الحساسية، وهو مرض اجتماعي نفسي يزيح الإنسان همه بواسطة ردة فعل غير عقلانية. صحيفة "الحادثة" استمرت في هجومها واستخدمت مصطلح "الخلايجة"، واعتبرتهم هم من يريد الإساءة لمصر. وبالطبع كلمة "الخلايجة" لها مدلولها ونفهم أبعادها. الإفراط في الحساسية جعل من مجلة "روز اليوسف" تفرد مقالة افتتاحية حول نجاح "اتفاق مكة" باعتبار أنه لا يعني فشلاً أو تراجعاً للدور المصري. وبكل تأكيد فنجاح "اتفاق مكة" الذي لا نعلم إذا كان سيواصل نجاحه أم سيجهض كما أجهضت مشاريع أخرى، هو في نهاية الأمر نجاح لكل العرب ويجب أن يفهم ضمن هذا الإطار وليس سحب البساط من هذا أو ذاك. يذكرني هذا بما كتبه حامد عمار حول الشخصية العربية عندما وصفها بـ"الفهلوة" والنزوح نحو الإسقاط وأبعاد المسؤولية عن الذات. ويرى عمار أن الشخصية الفهلوية تجعل الفرد في موقف لا يقبل الحقيقة ويهرب من الواقع ويغير الحقائق. الإفراط في الحساسية يجعل المرء غير قادر على تقبل الحوار ويتقوقع حول ذاته ويميل إلى المبالغة والإفراط في المجاملة . مرة أخرى نحن نعشق مصر العروبة ولا تعيبها بالنسبة لنا ظاهرة بنات الليل، فهذه ظاهرة إنسانية منذ قدم التاريخ ويجب أن لا نلجأ إلى عقلية المؤامرة, وما قامت به "روتانا" لا يخرج عن سياستها في البحث عن جديد لجذب المشاهدين. أما مجتمعات الخليج, فحالها حال باقي المجتمعات الإنسانية، وقد كتبت روايات عديدة تفضح المخفي وراء التقاليد، فهذا لا يعيبها، فهي في نهاية الأمر تتعامل وفق ظروفها الاجتماعية وتقاليدها، وإن كنا نرى بأنها ظاهرة غير سوية عندما يكون للمرء أكثر من شخصية. على كل حال ما كتبناه لا يخرج عن المهنية ولم نلجأ إلى الشماتة ولا نملك إلا أن نحيي مصر؛ فهي في القلب، وما نتمناه هو أن نعالج أمراضنا بكل شجاعة ونتعامل معها وفق رؤية علمية لمعرفة أسباب انتشارها، وليس من خلال كبتها ودفنها، وأن لا نذهب وراء من يحذر من نشر الغسيل للغرباء, فنحن لسنا غرباء, بل من البيت ومن أهله. وككلمة أخيرة، فإن الشرف الذي أثار حفيظة البعض، لا ينحصر في قضايا النساء, بل الشرف يمس كل جوانب الحياة.