هل حدث لك أن ذهبت قريباً، لأي من المطاعم العراقية الواقعة في منطقة "كولد ووتر كانيون"؟ ربما تبدو زيارة كهذه غريبة الآن، إلا أنه ليس مستبعداً أن يزداد عدد الزوار الأميركيين لهذه المطاعم، بدافع فضول التعرف على المزيد عن المطعم العراقي وثقافة هذا الشعب بعد مضي عدة سنوات من الآن. غير أن المرجح أن رغبة كهذه في التعرف على الثقافة العراقية، لن تتحقق إلا بعد انسحاب قواتنا من هناك، وإلا بعد أن تكف بغداد عن أن تحتل العناوين الرئيسية للصفحات الأولى في صحفنا. وفي اعتقادي الشخصي، أن من الأفضل لنا أن نقدم على خطوة الانسحاب هذه، حتى وإن جاءت متأخرة جداً. وليست في هذا غرابة، كما أنه ليس غريباً المدى الزمني الذي يستغرقه انسحابنا من التزام عسكري كبير في إحدى الدول الأجنبية، وتردد أصداء هذا الانسحاب وتسللها إلى نسيج تكويننا الثقافي الديموغرافي. ولنا أن نتساءل بهذه المناسبة: كم عدد الأميركيين الذين كانوا يترددون على المطاعم الكورية في عام 1952، وكم عددهم بعد عقد واحد أو عقدين من الحرب الكورية؟ في الأسبوعين الماضيين، كان البيت الأبيض قد أعلن عن اعتزام أميركا بقبول طلبات 7 آلاف من اللاجئين العراقيين، بحلول نهاية العام الحالي. وعلى رغم إيجابية هذا الإعلان كبادرة أولية، إلا أن علينا قبول المزيد منهم، ليس لما لهذا القبول من بعد إنساني واجب علينا، وإنما أيضاً لأنه شكل من أشكال الدبلوماسية العامة التي تخدم وتعزز أهدافنا ومصالحنا القومية. خاصة أن الولايات المتحدة كانت قد قبلت طلبات عشرات الآلاف من اللاجئين العراقيين، طوال عقد التسعينيات في ظل نظام صدام. أما بعد غزونا للعراق في عام 2003، فالأمر مختلف، مع العلم بأن العراق يعيش حملة عنف طائفي شرس، أرغم مليوني مواطن على الأقل، على مغادرة بلادهم. وعلى رغم الصعوبة المحيطة بقبول عدد كبير من المهاجرين المنتمين إلى دولة، لا نزال نتظاهر بأنها سعيدة بتحريرنا لها، بينما نفتقر إلى الصراحة والأمانة الكافيتين لقبول الحقائق كما هي على الأرض، إلا أنه سيتعين على إدارة الرئيس بوش قبول المزيد من اللاجئين العراقيين، في نهاية الأمر. ومنذ اعتراف الحكومة الفيدرالية للمرة الأولى بالمجموعات المهاجرة، باعتبارها جماعات مميزة، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فقد ظلت أفضلية أميركا دائماً لأولئك المهاجرين الفارين من الدول العدوة لنا، وكذلك من الدول التي اضطررنا إلى التدخل العسكري فيها. وطوال السنوات الممتدة من عام 1982 إلى 2002، كان 80 في المئة من كافة اللاجئين إلى الولايات المتحدة، يصنفون ضمن هاتين الفئتين، مع ملاحظة أن أكبر مجموعاتهم على الإطلاق، قدمت إلينا من منطقة جنوب شرقي آسيا. وعلينا ألا نندهش كثيراً إذا ما علمنا أن أميركا لا ترحب كثيراً بهجرة الجماعات المنتمية إلى دول لا ترى فيها أهمية استراتيجية تذكر بالنسبة لها. والمعلوم أيضاً أن هذه التدخلات العسكرية، قد وثقت تاريخياً، علاقاتنا بتلك الشعوب والدول. بل الحقيقة أن لحجم الجماعات المهاجرة حالياً إلى أميركا، علاقة مباشرة بحجم المصالح العسكرية والاقتصادية في الدول التي قدم منها المهاجرون. وعندما تعود بي الذاكرة إلى سنوات صباي المبكرة، في إحدى ضواحي مدينة لوس أنجلوس، فلكم يدهشني أن الكثير جداً من أصدقاء الصبا والطفولة، قد وطئت أقدامهم أرض أميركا لأول مرة، بسب الحروب والتدخلات العسكرية الأميركية في بلدانهم. وبالحرف الواحد أستطيع القول إن رفاق صباي ودراستي من الأطفال الأميركيين الكوريين، كانوا نتاجاً مباشراً للحرب الكورية. أما الفلبينيون، فقد نشأت صلتهم الأولى بأميركا إثر الحرب الأسبانية- الأميركية في عام 1898، ثم توافدوا بأعداد أكبر، بعد تحالفهم معنا في الحرب العالمية الثانية. أما الأرمن الذين غيَّروا ملامح مدينتي نفسها في أواخر عقد الثمانينيات، فقد وفدوا إلينا مدفوعين برياح الحرب الباردة. وعن صديقتي ورفيقة دراستي التي أحدثت تحولاً في حياتي كلها، فقد كانت فيتنامية الأصل والمنابع. ولذلك فإني أراهن على الأثر الثقافي الإيجابي الذي سوف يتركه بيننا المهاجرون العراقيون، بصرف النظر عن عددهم النهائي. ـــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"