شيعت كوريا الجنوبية في نهاية الشهر الماضي واحدة من أشهر نجمات السينما لديها، كانت قد انتحرت، وهي لا تزال في عامها السادس والعشرين، بعد أن قطعت رسغها وشنقت نفسها. وعلى رغم أن البعض قد ينظر لهذا الحدث على أنه نوع من الهستيريا أو الجنون الشائع بين مشاهير وجميلات السينما، فإنه كان صدمة للمجتمع الكوري برمته. فكوريا الجنوبية، التي حققت واحداً من أعلى معدلات النمو الاقتصادي والرخاء خلال العقود القليلة الماضية، تشهد حالياً ارتفاعاً رهيباً في عدد حالات الانتحار عاماً بعد عام. ففي خلال السنوات الخمس الماضية فقط، تضاعف عدد الكوريين الجنوبيين الذين يقتلون أنفسهم، مما دفع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إلى وضع كوريا الجنوبية على رأس قائمة الدول الأعضاء في المنظمة -والبالغ عددهما ثلاثين دولة من أغنى دول العالم- من حيث عدد حالات الانتحار السنوية. ولكن يبقى السؤال: لماذا يقتل البعض أنفسهم وخصوصاً في المجتمعات المتطورة والغنية، التي يحلم الكثيرون بالهجرة إليها والعيش فيها، خصوصاً أن الممثلة الكورية الجنوبية، التي تركت رسالة انتحار مكتوبة بدمائها، تمكنت خلال سنوات قليلة من تحقيق شهرة ومجد في جميع دول جنوب شرق آسيا، ترافقا بدخل يتخطى عشرات الملايين من الدولارات سنوياً، وقبل أن تبلغ السابعة والعشرين من عمرها. هذا الحدث، والأزمة التي يواجهها المجتمع الكوري الجنوبي برمته، لابد وأن يدفعا للتوقف قليلاً، والتمعن في النفسية البشرية، وما يطرأ عليها من أمراض عقلية، مثل الاكتئاب والانتحار. فكما يمكن أن تصيب المجتمعات أوبئة من الأمراض المعدية، كالملاريا و"السارس" وأنفلونزا الطيور، تتعرض المجتمعات أيضاً لأوبئة من الأمراض العقلية مثل الاكتئاب، والذي قد يدفع بأفرادها نحو سلوكيات غير سوية، تظهر على شكل انتحار، أو إرهاب، أو تطرف ديني، أو حتى ميل للعنف والتناحر اليومي. وإذا ما نظرنا للاكتئاب، فسنجد أن التقديرات تشير إلى أن 16% من البشر يصابون في فترة من فترات حياتهم بالاكتئاب المرضي، وهو ما يمكن ترجمته إلى الملايين، وربما عشرات الملايين من البشر المصابين بالاكتئاب. وتختلف نسبة انتشار الاكتئاب بين المجتمعات، وتتباين أيضاً حسب الجنس والفئة العمرية. ففي الولايات المتحدة مثلاً، وحسب الإحصائيات الصادرة عن المعهد القومي للصحة العقلية، نجد أن الاكتئاب يصيب 6.5% من النساء الأميركيات، بينما لا تتعدى نسبته بين الرجال الأميركيين 3.3%. أما في كندا، فيعاني 5% من السكان من الاكتئاب المرضي. وفي بريطانيا يصاب شخص واحد من بين كل خمسة أشخاص بالاكتئاب المرضي في مرحلة ما من حياته، وهو ما يكلف الاقتصاد البريطاني مليارات الجنيهات سنوياً، في شكل أيام عمل ضائعة ونفقات علاج ورعاية طبية وتعويضات من الضمان الاجتماعي. ولكن على رغم هذا الانتشار الواسع للإصابة بالاكتئاب المرضي، فلا زال الطب الحديث عاجزاً عن تحديد سبب مباشر خلف تلك الإصابات. وما يتوفر لنا حالياً لا يزيد على قائمة من العوامل والظروف، يعتقد بوجود علاقة بينها وبين الاكتئاب المرضي. هذا الجهل بأسباب الاكتئاب، وخصوصاً الاجتماعي منه، أو الذي يصيب شريحة واسعة من المجتمع، يبدو جلياً في تفسير علماء النفس لانتشار الظاهرة في كوريا الجنوبية مؤخراً. فالبعض يلقي باللوم على التغيرات السريعة التي شهدها المجتمع الكوري الجنوبي في العقود القلية القادمة، مثل طغيان الثقافة الاستهلاكية، وتزايد العزلة الفردية، وتحلل النسيج الاجتماعي، الذي كان يوفر للأفراد نوعاً من الدعم والمساندة من خلال الأصدقاء وأفراد العائلة. بينما يرى آخرون أن تدهور الاقتصاد الكوري الجنوبي خلال السنوات القليلة الماضية، وتزايد الضغوط المالية على الأفراد والعائلات، قد دفعا بالكثيرين للتخلص من مشاكلهم بالقضاء على حياتهم. وعلى رغم أن هذه الآراء قد تفسر جزءاً من حالات الانتحار، فإنها تعجز عن تفسيرها جميعاً، وهو ما يتضح من حالة الممثلة الشابة الثرية والمشهورة. ولذا عمدت الحكومة الكورية الجنوبية إلى اتخاذ إجراءات واسعة النطاق، لتقليص نخر هذه الظاهرة في عصب المجتمع الكوري الجنوبي، وللحد من اكتئاب أفراد أحد أنجح المجتمعات البشرية. هذه الإجراءات تتضمن ضمن تدابير أخرى، زيادة عدد مراكز الاستشارات النفسية، وتثقيف الشباب والعائلات عن الأعراض والعلامات المبكرة للاكتئاب، وعن كيفية الحصول على الدعم والمساعدة من المتخصصين في هذا المجال. واحتلت الإنترنت مكانة خاصة في الخطة الكورية الجنوبية، حيث اقترح الأطباء النفسيون غلق المواقع التي تشجع على الانتحار وتطرح وسائله وطرقه. وعلى رغم أن البعض يؤمن بأن ديننا الإسلامي الحنيف يقي أفراد مجتمعاتنا من تكرار مثل هذه الظاهرة، فإن ذلك لا يمنع أن يطل الاكتئاب برأسه القبيحة بيننا في أشكال أخرى، مثل التطرف الديني، والإرهاب، والميل للعنف، وانتشار السلوكيات المعادية للمجتمع. وبالفعل يفسر الكثير من علماء الاجتماع والنفس هذه الظواهر، على أنها نتيجة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي تشهدها مجتمعات المنطقة في الفترة الأخيرة، وخصوصاً ظاهرة البطالة بين الشباب، والتي تعتبر الأعلى من بين جميع مناطق العالم. وهو ما يتطلب منا التوقف ومراجعة الحالة الصحية لمجتمعاتنا، ليس فقط على صعيد الرعاية الصحية الأولية، ومكافحة الأمراض المعدية، بل أيضاً على صعيد الصحة النفسية، والتي غالباً ما يكون اختلالها فادح الثمن على المستويين الشخصي والاجتماعي.