كان الأمر شبيهاً بتلك الخدع التي تصل عبر البريد الإلكتروني، لكن سرعان ما اتخذ مساراً أكثر جدية من مجرد محاولة يائسة ومكشوفة للاحتيال. فقد جاءت الرسالة التي وصلتني عبر البريد الإلكتروني كالتالي: (مرحباً، أنا النقيب "سميث سكوت" من قوات مشاة البحرية الأميركية، وأتولى مهامي في بغداد بالعراق. وبتاريخ 10 فبراير 2007 ألقينا القبض على ثلاثة إرهابيين، حيث اعترفوا أثناء تعذيبهم بأنهم يعملون لصالح أيمن الظواهري، ليأخذونا بعدها إلى كهف في مدينة كربلاء اكتشفنا فيه أوراقاً مالية من الدولار الأميركي تصل إلى 10.2 مليون دولار. لذا فإنني في حاجة ماسة إلى شخص يتمتع بالثقة مثلك يمكنه استلام الأموال والاحتفاظ بها حتى أنهي خدمتي العسكرية في العراق وأعود إلى أرض الوطن). بالطبع لم تكن تلك سوى رسالة خطها أحد المحتالين، لكنها تعكس مدى ارتباط الأميركيين بالتعذيب واستخدام ذلك كمادة للنصب والاحتيال. والواقع أن هذا لا يفاجئني بالنظر إلى الانتهاكات المتعددة التي جرت في سجن "أبو غريب"، وسياسة "الترحيل الاستثنائي"، فضلاً عن السجون الأميركية المنتشرة في العديد من البلدان. وللأسف وصلنا إلى درجة أصبح فيها الكثير من الناس ينظرون إلى الأميركي على أنه جلاد بعدما لقي أكثر من 100 معتقل حتفهم أثناء الاعتقال الأميركي سواء في العراق، أم في أفغانستان، فضلاً عن تعرض الكثيرين منهم للضرب والإهانة وسوء المعاملة. أما الباقي فقد تم ترحيلهم من قبل أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى دول صديقة في الشرق الأوسط أقل احتراماً لحقوق الإنسان. وعلى رغم التزام الغالبية العظمى من جنودنا ومسؤولينا بروح ونص القوانين الأميركية والدولية، فإن مثل هذه الممارسات المنتهكة لحقوق الإنسان، يتم الترخيص لها من قبل مسؤولين على أعلى المستويات في الحكومة الأميركية. ففي شهر نوفمبر من عام 2001 عارض 66% من الأميركيين تأييد الترخيص للحكومة بممارسة التعذيب في حق المشتبه بهم ضمن حربها على الإرهاب. وعندما طفت صور التعذيب في سجن "أبو غريب" إلى السطح في ربيع 2004 تعاملت معها وسائل الإعلام الأميركية على أنها فضيحة كبرى. وهكذا صوت مجلس "الشيوخ" الأميركي في أكتوبر 2005 لصالح تشريع يحرم استخدام العنف ضد المعتقلين بـ90 صوتاً مقابل تسعة أصوات. لكن يبدو أننا، طيلة العام الماضي، فقدنا إحساسنا بالغضب الذي تملكنا في السابق إزاء عمليات التعذيب التي تورط فيها الأميركيون. ففي الوقت الذي تمت فيه إدانة مجموعة من ذوي الرتب المتدنية على دورهم في ممارسة التعذيب، لم يتعرض أي من الضباط الكبار للمساءلة، ولم يمثلوا أمام المحاكم. والأكثر من ذلك دافع الرئيس بوش في خطابه الذي ألقاه في سبتمبر الماضي عن تقنيات "بديلة" للاستنطاق، لتتبعه مباشرة نتائج لاستطلاع الرأي أجري بعد فترة وجيزة عن إلقاء الخطاب تُظهر أن نسبة الأميركيين المعارضين للتعذيب انحدرت إلى 56% فقط. وفي أكتوبر الماضي صادق الكونجرس الأميركي على قانون "اللجان العسكرية" الذي يسمح باللجوء إلى الإكراه لحمل المشتبه بهم للإدلاء بشهادتهم أمام المحاكم، ويحد من قدرة المحاكم الأميركية على مساءلة الانتهاكات التي تطال المعتقلين. وفي الآونة الأخيرة استقبلت أنباء عن التعذيب بلامبالاة جماعية. ففي شهر يناير الماضي أصدر المدعي العام في ألمانيا أمراً باعتقال 13 من عملاء وكالة الاستخبارات المركزية "سي. آي. إيه" بعد ضلوعهم في عملية اختطاف غير قانونية للمواطن الألماني، ذي الأصول اللبنانية، خالد المصري. والأمر نفسه أصدرته السلطات الإيطالية في حق 26 عنصراً من الاستخبارات الأميركية بسبب اختطاف إمام أحد المساجد وترحيله إلى مصر، حيث قال إنه تعرض للتعذيب. وعلى رغم جسامة هذه الأنباء التي تحول الأميركيين إلى مطاردين من قبل حلفائنا، إلا أنها توارت إلى الوراء في التغطية الإعلامية وتم استبدلاها بأخبار محلية. وعلينا في هذا السياق ونحن نناقش تورط الأميركيين في أعمال تعذيب، وما يلحقه ذلك من ضرر بسمعة أميركا، أن نتذكر كلمات "جون وينثروب" أول حاكم لمستوطنة "ماساشوسيتس" تعود إلى عام 1630، عندما قال "علينا أن نعتبر أنفسنا بأننا مدينة فوق تلة، حيث تتجه إلينا جميع الأنظار. وإذا ما فشلنا في الوفاء بالمعايير النبيلة التي وضعناها لأنفسنا، فإننا سنكون قصة تتناقلها الأفواه في جميع أنحاء المعمورة". روزا بروكس كاتبة ومحللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"