هل تنقذ الحرية الاقتصادية مستقبل التنمية في العالم العربي؟ هل نحن نساير التوجه العالمي في هذا المجال أم أن حديثنا عن مبدأ الحرية مجرد مسايرة لنا ومجاملة للآخرين؟ لا أدري إن كان النقاش قد حُسم في العالم العربي والعالم الثالث لصالح الإطلاق الشامل للحرية الاقتصادية وفتح الأسواق على مصاريعها. ففي أميركا اللاتينية مثلاً إحياء جديد ربما لبعض أشكال الاقتصاد الموجه ودور الدولة، وفي العالم العربي ثمة عدد لا بأس به من المتخوفين من هذه الحرية ومن العولمة الزاحفة، حيث يرون فيهما مخاطر لا حصر لها على فرص عمل الناس وعلى الهوية الوطنية. وعند التدقيق في أسباب فشل منشآت قطاع الدولة، يقول الباحث العراقي كاظم حبيب في دراسة منشورة عام 1990، يتوصل المرء إلى حصرها في خمسة مجاميع، هي: طبيعة الحكم ومضمون سياسته الاقتصادية والاجتماعية، طبيعة المنشآت الاقتصادية ومدى جدية الدراسات المقدمة حولها، مستوى الكوادر الإدارية والمالية والفنية والمهارات العمالية، السياسات التي تتبعها إدارات المنشآت في مجالات التوظيف والاستخدام والأجور والحوافز المادية والأسعار، وأخيراً مستوى الحماية والدعم من جانب الدولة. ومهما تواصل النقاش والجدل حول الاقتصادين الحُر والموجه، فإن عملية تحرير الاقتصاد والخصخصة وعولمة النشاط الاقتصادي ماضية بقوة على الصعيد الدولي، وبخاصة بعد أن خسرت بلدان الاقتصاد الموجه في العالم الاشتراكي السابق الرهان، وتغيرت أنظمتها السياسية والاقتصادية. نشرت بعض الصحف مؤخراً تقرير مؤسسة "هيرتيج فاونديشن" الأميركية، الصادر في يناير 2007، عن "الحرية الاقتصادية" في العالم. وقد نُشر مع التقرير جدول عن ترتيب الدول في هذا المجال، حيث يتبين منه مثلاً أن الولايات المتحدة نفسها تأتي في المرحلة أو الدرجة الرابعة من ناحية الحرية الاقتصادية! أما الدولة الأولى فهي هونغ كونغ، ثم سنغافورة، فأستراليا! وقد استقصيت أوضاع الدول العربية على هذا السُّلّم الدولي، فوجدت أن أكثرها التزاماً بمبدأ الحرية الاقتصادية دولة البحرين، وترتيبها 39، وكانت سابقاً في المرتبة 25، ثم الأردن وترتيبها 53، وسلطنة عُمان 54، التي كان ترتيبها السابق 76، وبعكس ذلك دولة الكويت التي كان ترتيبها السابق 50 وهي الآن 57. وكانت مرتبة تونس 100 وأصبحت 69، وكانت دولة قطر 78 فأصبحت 72 وتراجعت لبنان كذلك من 73 إلى 77، وكانت كما نعلم، من رموز الحرية الاقتصادية في العالم العربي ولا نعرف كيف تكون الأردن أو حتى الكويت أكثر تحرراً منها في الاقتصاد! فيما تحسن وضع المغرب قليلاً ليصبح 96، وهذا أيضاً وضع غريب إزاء ما تبذله الحكومة المغربية من مجهود في الانفتاح ومحاولة جذب الاستثمارات. ثم بحثت عن الصين، مقارنة بهونغ كونغ الأولى، فوجدت ترتيبها 119، والهند 104. وشدّ انتباهي كذلك ما بين دول أوروبا نفسها من اختلافات في هذا المجال. فالأكثر تحرراً هي المملكة المتحدة وليس سويسرا مثلاً التي تأتي التاسعة في الترتيب، بعد لوكسمبورغ وإيرلندا! ورغم عراقة هولندا في مجال الانفتاح التجاري فإن ترتيبها 14، بعد تشيلي وإستونيا وكندا! وتأتي اليابان في الدرجة 18 وألمانيا 19 والسويد 21 والنمسا 25 والبرتغال 43. وتحتل إيطاليا المرتبة رقم 60 في مؤشر الحرية الاقتصادية، بعد فرنسا 45، والأردن والكويت. وفيما تحتل سنغافورة المرتبة الثانية فإن ماليزيا تأتي في الدرجة 48 وتايلاند 50. وتقوم مؤسسة "هيرتيج" بالتعاون مع صحيفة "وول سترتيب جورنال" برصد الحرية الاقتصادية وفقاً لعشرة مجالات رئيسية. وقد جاء في التقرير، كما نشرته "القبس" الكويتية في 17/1/2007، أن الحرية الاقتصادية في الكويت "ضعيفة في عدة مجالات، بما فيها الحرية من الحكومة وحقوق الملكية والحرية من الفساد، والإنفاق الحكومي مرتفع نسبياً وتدر الشركات المملوكة للدولة قدراً كبيراً من الإيرادات، ويعتبر الفساد مشكلة في الكويت رغم أنه أقل من الكثير من الدول النامية الأخرى، ولا يمكن ضمان حقوق الملكية في الكويت بسبب التأثير الكبير للحكومة في المحاكم وتفضيلها أو مداراتها للمواطنين الكويتيين على الأجانب". وورد في التقرير أنه لتأسيس عمل في الكويت تتطلب الإجراءات اللازمة 35 يوماً في المتوسط مقارنة مع متوسط عالمي يصل إلى 48 يوماً، رغم أن البيروقراطية وضعف الشفافية مشكلتان جديتان ومستديمتان. وبخصوص القضاء، جاء في الصحيفة أن "القضاء مستقل بحكم الدستور، لكن الأمين يعين جميع القضاة. وغالبية القضاة من غير المواطنين، وتجديد تعيينهم خاضع لموافقة الحكومة. ويدعي كثير من المقيمين الأجانب الذين يدخلون في خلافات قانونية مع مواطنين كويتيين أن المحاكم تُظهر انحيازاً لمصلحة المواطنين، فضلاً عن أن المحاكمات طويلة". وقد سجل الاقتصاد الكويتي 99.9% في مجال الحرية الضريبية -وهو رقم يذكّرنا كذلك ببعض نتائج الانتخابات العربية!- ثم حرية العمالة 82% تقريباً، ثم الحرية النقدية 79% تقريباً، فالحرية التجارية 72% ثم حرية العمل وكانت النسبة مقارنة بأفضل الدول 68% تقريباً. ويرى الكثير من الاقتصاديين الليبراليين في الحرية علاجاً مؤثراً ناجعاً ووحيداً لمشاكل الفقر والتنمية والتحديث الاقتصادي وغيرها. ولكن بعض أساتذة الاقتصاد لا زالوا يشككون في النتائج. من أبرز هؤلاء د. جلال أمين أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وقد كتب عام 2001 في مقال نشر ضمن كتاب "هموم اقتصادية عربية"، (مركز دراسات الوحدة العربية)، أن النبرة المستخدمة في الدفاع عن فلسفة عدم تدخل الدولة وفي الترويج لها، صارت "تحمل سمات قريبة من سمات الخطاب الديني. فكلما أمعن المرء في قراءة التقارير الاقتصادية الصادرة عن مؤسسة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أو في الاستماع إلى ما يلقيه ممثلوها من خطب ومحاضرات، اشتد شعور المرء بأن شيئاً شبيهاً جداً بالخطاب الديني يجري استخدامه في التعبير عن موضوعات كان يفترض أنها تنتمي إلى ميادين فكرية ذات طبيعة مختلفة تماماً". ويضيف د. أمين أن أنصار الاقتصاد الحر يعتقدون في مبادئ "مطلقة" أو حتمية، ولا يميزون بين الدول والحالات. فعدم تدخل الدولة يصور على أنه هو السياسة الصحيحة دائماً، والتدخل الزائد من الدولة يصور على أنه شيطان الاقتصاد والتنمية. "وكما هي الحال في معظم العقائد الدينية، تتضمن العقيدة الاقتصادية بدورها الحديث عن "معجزات"، فكانت هناك أولاً المعجزة البرازيلية، ثم المعجزة الكورية، وأخيراً المعجزة التشيلية". (ص59). وهكذا، وكما هو الجدل في "الأفكار السياسية" بين الديمقراطية ومعارضيها، يحتدم جدل موازٍ في "الأفكار الاقتصادية"، بين داعٍ لأن يكون الأصل هو الحرية وعدم تدخل الدولة، ومنادٍ ضده، يطالب بدور أوسع وأشمل، للدولة وأموالها وسلطانها الاقتصادي، في عجلة الإنتاج. والبقاء في هذا الميدان بالطبع... لـ"الأنتج"!