هل نستطيع أن نتحدث الآن عن إجراء تحقيق مع الرئيس الأميركي؟ إن الاعتراف المشوب بالندم الذي أدلى به رئيس مفتشي الأسلحة الأميركيين السابق " ديفيد كاي" مؤخرا، ومؤداه أن صدام حسين لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل، أو حتى وسائل لتصنيعها، في الوقت الذي قامت فيه الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق, يؤكد الحقيقة القائلة إن إدارة بوش قد تورطت فيما يذهب البعض إلى اعتباره أكبر فضيحة في التاريخ الأميركي.
ولولا أن الجمهوريين يسيطرون على الكونجرس بمجلسيه، لكنا قد سمعنا الآن نداءات تدعو إلى إجراء تحقيق واسع النطاق، من النوع الذي أدى إلى اكتشاف فستان " مونيكا لوينسكي " السيئ الذكر.
لم يحدث من قبل، وفي أي مرة من المرات التي أساء فيها رؤساء أميركيون سابقون التصرف، أن تعرض مثل هذا الكم من الأشياء للخطر، سواء فيما يتعلق بالمحافظة على الضوابط الدستورية أو المحافظة على الأمن القومي. إن هذا النمط من الخداع الشائن الذي أدى بنا إلى خوض حرب بناء على استخبارات ومعلومات زائفة، يغطي على كافة الفضائح السابقة في التاريخ الأميركي, سواء ما كان منها بسبب الطمع مثل فضيحة" تيبوت دوم" في عهد الرئيس" هاردنج" أو بسبب الرغبة في النيل من الخصوم مثل فضيحة " ووترجيت" في عهد " نيكسون". مع ذلك، فلا يزال البيت الأبيض يغوص أكثر في الهاوية، بإصراره على الاستمرار في إنكار الحقيقة، حتى في الوقت الذي يجد فيه موظفوه الكبار الواحد تلو الآخر الشجاعة لقول الحق.
فبعد مرور عام على قيامه باستخدام خطابه عن" حالة الاتحاد" عام 2003 ، لوصف ترسانة العراق الضخمة المزعومة من أسلحة الدمار الشامل، بأنها تمثل تهديدا خطيرا للولايات المتحدة والعالم، استخدم بوش وقت خطابه الأخير عن حالة الاتحاد، في الدفاع عن الحرب حيث قال: " لو لم نقم بالتصرف ، لكانت برامج أسلحة الدمار الشامل الخاصة بالدكتاتور العراقي قد استمرت حتى اليوم" . وأن " فرق البحث عن تلك الأسلحة قد تعرفت على أنشطة ذات علاقة ببرامج أسلحة الدمار الشامل".
وقد قام نائب الرئيس " ديك تشيني" في مقابلتين أجراهما مع صحيفتي" يو إس توداي" ، و"لوس أنجلوس تايمز" بترديد هذا الهراء – لا حظ هنا أن ما كان يطلق عليه العام الماضي" أسلحة " تحول الآن إلى " برامج" – وذلك عندما أعلن أن " المفتشين يواصلون عملهم" للتأكد فيما إذا كان العراق يمتلك برامج لإنتاج أسلحة للدمار الشامل، بيد أنه اعترف بأن " الطريق لا يزال طويلا أمامه كي يكون قادرا على استنتاج أن هناك بعض الأخطاء الجوهرية في استخباراتنا قد حدثت بشكل من الأشكال".
رغم ذلك، وبعد ثلاثة أيام من خطاب " حالة الاتحاد"، استقال " كاي " من منصبه وبدأ يكشف للعالم الحقيقة التي أنكرتها الإدارة منذ أن جاءت إلى البيت الأبيض وهي أن " جيش صدام حسين كان قد أصبح مجرد صورة باهتة لتلك القوة العسكرية التي كان عليها في الوقت الذي اندلعت فيه حرب الخليج الأولى عام 1991. وأنه يعتقد أن نظام صدام لم يكن لديه برامج كبيرة لإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، كما لم يكن لديه رصيد منها مكدس في المخازن، وأن النتائج التي حققها مفتشو الأمم المتحدة، والقصف الذي قامت به طائرات الحلفاء للعراق على مدار عقد التسعينيات، كانت أكثر فعالية بكثير في إزالة البقية الباقية من تلك البرامج، مما كان يعتقد معظم المنتقدين".
وفي تصريح آخر له لصحيفة " نيويورك تايمز" قال كاي :" أنا شخصيا أعتقد أنه لم يكن لدى العراق مخزون كبير من أسلحة الدمار الشامل المنتجة حديثا. فنحن لم نجد الأشخاص، ولا الوثائق، ولا المصانع التي يفترض أن تكون قائمة إذا ما كان إنتاج مثل تلك الأسلحة لا يزال مستمرا. كما اعتقد أن العراقيين قد قاموا بالتخلص من مخزونهم من تلك الأسلحة بشكل تدريجي على مدار عقد التسعينيات. فقرب منتصف هذا العقد تحديدا، قام العراقيون بإزالة المتبقي من الأسلحة الكيماوية لديهم... وقال العراقيون إنهم كانوا يرون أن برنامج تفتيش الأمم المتحدة ‘كان أكثر فعالية مما كان يعتقد محللو الاستخبارات الأميركيين.. وأنهم تعاونوا معهم، لأنهم لم يرغبوا أن يقوم أحد بضبطهم متلبسين".
الجانب الذي يجعل المرء يكاد يفقد عقله في هذا الشأن، هو أننا لم نكن بحاجة لـ" كاي" كي يقوم بتوضيح الصورة وجلاء الحقيقة لنا, لأن تلاعب الإدارة المنهجي بالحقائق، بما في ذلك ادعاؤها وجود صلة بين صدام حسين وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان أمرا واضحا خلال العامين الماضيين. ولعل هذا هو السبب الذي جعل ثلاثة وعشرين خبيرا سابقا في الاستخبارات الأميركية – بما في ذلك عدد منهم استقال امتعاضا- متلهفين في الحديث بصراحة في برنامج "جرينولد" الوثائقي الصادم " كشف المستور". فالرواية التي يقدمونها في هذا البرنامج، هي رواية عن إدارة مضت إلى الحرب لأسباب تفوح منها رائحة بناء الإمبراطوريات ، ثم قامت باختلاق واقع زائف لبيعه للشعب الأميركي. أليست هذه بربكم تهمة تستوجب المحاكمة؟
لقد قام الرئيس بتضليل الكون