حين عقدت القمة الثلاثية بين الرئيس محمود عباس وإيهود أولمرت بحضور كوندوليزا رايس في القدس المحتلة نهار الاثنين الماضي لم يخرج الاجتماع الثنائي بينهما بالشيء الكثير، وعاد أولمرت وصحبه إلى مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل، وقبول شروط "اللجنة الرباعية" بالتزام بالاتفاقيات الموقعة مع الإسرائيليين، وبحق إسرائيل في الوجود..الخ. وزاد أولمرت بأن طالب الفلسطينيين بإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط"، مع أن إسرائيل رفضت حتى اليوم القبول بإطلاق سراح الآلاف من المدنيين الفلسطينيين الذين تحتجزهم في سجونها بدون وجه حق. وكان من الممكن أن تدعم مثل تلك القمة "اتفاق مكة" وتشيد به على أنه خطوة مهمة في سبيل السلام، وذلك لو كان الجانب الإسرائيلي والفلسطيني يبحثان فعلاً عن وسيلة جديدة لإطلاق المفاوضات من جمودها الذي تعاني منه منذ ست سنوات، وحتى اليوم. ولكن الشيء المؤكد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، مثلها مثل سابقتها حكومة شارون، ليست راغبة في السلام، بل إنها تستفيد من الوضع القائم اليوم في محاصرة الشعب الفلسطيني وتجويعه، والذي تم تطبيقه منذ أكثر من عام بحق هذا الشعب ولم يستطع العرب ولا الأوروبيون كسر هذا الحصار وإنهاءه. ولكي تكون الخيارات واضحة، فإن الفلسطينيين اليوم ليسوا بحاجة ماسّة إلى بدء مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل، قدر حاجتهم إلى لمِّ شعثهم وشملهم عبر حكومة الوحدة الوطنية التي أعلنوا الاتفاق على تشكيلها أمام الكعبة المشرفة قبل أكثر من أسبوعين. وستكون المرحلة اللاحقة لإنشاء هذه الحكومة، هي توطيد اعتراف كامل من الدول العربية والإسلامية والدول الأوروبية بمثل هذه الحكومة. وستعمل الحقائق الأساسية على الأرض إن عاجلاً أم آجلاً على إقناع الأطراف الأخرى بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل نفسها على القبول بالأمر الواقع الفلسطيني. وأن الحلم الذي راود أعداء الفلسطينيين بتكوين حكومتين أو قوتين متنافستين على السلطة، كي تكون الوسيلة الوحيدة للقضاء على الحلم الفلسطيني بالاستقلال والانعتاق من أسر الاحتلال، أن مثل هذا التصور انحسر اليوم ولم يعد مقبولاً من الفصائل الفلسطينية. يقول الكاتب الإسرائيلي "يوري أفنيري" في مقالة نشرها مؤخراً إن الإسرائيليين كانوا على الدوام يراهنون على رفض العرب لوجودهم كأساس منطقي لممارسة سياساتهم التوسعية. وحينما كسر الفلسطينيون، عبر مفاوضات "أوسلو" هذا التوجه، وقبلوا بوجود إسرائيل عام 1988، مثّل ذلك نوعاً من التحدي السياسي الذي أحرج الإسرائيليين أنفسهم، في علاقاتهم مع الأوروبيين ومع الدول الأخرى. واليوم يحاول "أولمرت" رفض التفاوض مع الحكومة الفلسطينية وحضّّ الولايات المتحدة وأوروبا على مواصلة مقاطعة مثل تلك الحكومة، ومواصلة تجويع الفلسطينيين، ولذلك فإن من مصلحة الفلسطينيين عدم التعلّق بمسألة مفاوضات السلام مع إسرائيل، والتركيز بدلاً من ذلك على وحدة الشعب الفلسطيني، ورفع الحصار. كما أن من حق الحكومة الفلسطينية أن تطالب الأمم المتحدة بحماية المقدسات الإسلامية، خاصة في ضوء الحفريات التي تقوم بها سلطة الاحتلال تحت باب المغاربة في الحرم الشريف. وإذا ما فشلت، كما هي عادتهما على الدوام، مساعي الأمم المتحدة ومجلس الأمن في حماية المقدسات والشعوب الإسلامية، فإن من واجب الدول العربية مطالبة هيئة اليونسكو بالتدخل بشكل مباشر لمنع الحفر تحت جدران وأرضية المسجد الأقصى. وقد أصدرت اليونسكو خلال السنوات الماضية عدداً من القرارات التي لم تأخذ طريقها نحو التنفيذ، ويمكن طلب تشكيل قوة دولية لحماية الآثار والمقدسات الإسلامية في القدس، تكون تابعة لليونسكو. ويعني هذا الضغط الدبلوماسي المتواصل على الحكومة الإسرائيلية وحلفائها تعريتهم أمام المجتمع الدولي، وفضح ما يقومون به. ولاشك أن مؤتمر القمة العربي الذي سيعقد في الرياض في أواخر شهر مارس القادم سيتيح فرصة جيدة للدول العربية لمؤازرة القضية الفلسطينية بدعمها لـ"اتفاق مكة" سياسياً ومالياً. ومن ناحية اقتصادية تنتظر الشعوب العربية من المؤتمر أن يعلن رفع أي حظر اقتصادي أو مقاطعة لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وعدم الاعتراف بمثل هذه المقاطعة، ودعوة الدول الصديقة والمحايدة، بما في ذلك "اللجنة الرباعية" إلى كسر طوق تجويع الفلسطينيين واحترام رغبتهم السياسية في وأد الفتنة وإحلال الوئام والسلام عبر هذه الحكومة الجديدة. كما أن موضوع حماية المقدسات الإسلامية والمسجد الأقصى الذي تضمنه الشرائع والقانون الدولي، يعني التحول من بيانات التنديد إلى وضع آليات عمل جديدة، تحت إمرة دولية للقيام بواجب حماية مساجد المسلمين وتراثهم ومقدساتهم. أما التعلق بسحائب السلام الأميركية، فإنه حلم بعيد المدى. فالولايات المتحدة غارقة في الأوحال العراقية، وتعلو هذه المشكلة قائمة اهتماماتها الحالية والمستقبلية. ويليها في المرتبة الثانية الموضوع النووي الإيراني، فواشنطن مصممة على غزو إيران قبل نهاية حقبة الرئاسة الأميركية الحالية. ويأتي الموضوع الفلسطيني كجزء من حملة دعاية سياسية واجبة لتحسين صورة الولايات المتحدة في المنطقة، خاصة في ضوء أحداث العراق الحالية، ومحاولة تهدئة التوترات والعنف الأهلي الذي يجتاح هذا البلد. ولعلنا نذكر بوضوح أن مشروع بوش بإنشاء دولتين والاعتراف بهما في فلسطين، إحداهما إسرائيلية والأخرى فلسطينية، لم يكن دعوة صادقة عام 2003، بل أتى كجزء من حملة إعلامية مواكبة للحرب على العراق، أملاً في تطييب خواطرنا كعرب، لأنهم يعرفون أكثر من أي قوة أخرى بأننا عاطفيون. لذلك فبدلاً من تقريب الحلم الفلسطيني ودفع قطار المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية إلى الأمام، فإن إعلان بوش وقف في مساره، وكانت السياسات العملية هي دعم سياسات شارون في إعادة احتلال الضفة الغربية من جديد وقتل الزعماء الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية. لذلك فعلينا الانطلاق عربياً من الثوابت الفلسطينية في دعم حكومة الوحدة الوطنية الجديدة، بدلاً من التشبث بوهم السلام الذي لن يتحقق خلال العامين القادمين.