من أصدق المقولات في السياسة قولهم، بالإمكان إهمال أبعاد كثيرة في السياسة إلا البعد الجغرافي، وقد أثبت التاريخ والواقع أن ما هو حولك مؤثر فيك شئت هذا أم أبيت. وفي الطرف المقابل لنا أمة تتحدث الفارسية، لها تاريخ لايستطيع أحد تجاهله، ولها معتقدات تأثرت بهذا التاريخ، وجاء الإسلام الذي بدأت من خلاله علاقة جديدة مع تلك المنطقة، ومع بدء عصر الملل والنحل تشعب المسلمون في أنحاء الأرض إلى فرق بينها تجانس أحياناً وتناقض في بعض الأوقات، وفي حالات السلم يغلب عنصر التجانس والتقارب، ومع تأزم الصراعات السياسية، يطغى دور المتطرفين في كل جانب، وهذا ما نلمسه اليوم في العلاقة بين السُّنة والشيعة في العراق وفي الدول المجاورة. وإذا كانت إيران بملايين البشر نصبت نفسها حوزة للمذهب الشيعي، فكان من الطبيعي من وجهة النظر العقدية تدخلها في القضيا العراقية لسيطرة أصحاب نفس المذهب على الحكم في العراق، و مع تعقد الأمور السياسية، ومع تداخلات العقائد الممتزجة حول الرافدين بدأ الكثير من التشويه يطرأ على ذلك المذهب، حتى ابتعد به بعض أصحابة عن جادة الطريق الذي بدأ منه، ونظرا لكثرة العامة وقلة العلماء المخلصين، أصبح التشويه طريقة نتلمسها في السابق عبر الكتب التي كنا نقرأها عن المذهب الشيعي، والتي يرد على كثير منها علماء من الشيعة والسُنة، ولكن مما زاد الطين بله تحول تلك الفتاوى من عالم القرطاس إلى الهواء المفتوح، عبر القنوات الفضائية المذهبية. وكنت حريصاً على تتبع بعض ما تبثه تلك القنوات باللغة العربية، مما زاد من حيرتي، وطرح سؤال نفسه عليّ، إذا كنت أنت العربي الذي تقرأ القرآن وتتفهمه لأن لغتك العربية هي الأولى، ومع ذلك شعرت بهذه اللخبطة العقدية فيما تبثه بعض القنوات الفضائية المذهبية، فكيف هو حال الأعاجم الذين لا يتكلمون العربية؟ لاشك أن معتقدهم وعباداتهم مرتبطة بشكل تام بمن نصب عالما في مذهبهم، وهنا تكمن الخطورة فيما إذا كان هذا الإنسان قرر في لحظة من حياته ادخال بعض التحريف في عبادة ما أو معتقد، عندها تكمن الحاجة الماسة فيما سأقترحه في هذا المقال. تشاورت قبل كتابة هذا المقترح مع بعض الإيرانيين المعتدلين من أصدقائي حول مصدر معرفتهم بالإسلام، فكان الرد المنطقي هو العلماء، فكان السؤال الثاني: ما هي اللغة التي تتعلمون بها دينكم قالوا الفارسية. والسؤال الثالث عن مدى المام الناس بالعربية المصدر الأساس لمعرفة الإسلام؟ فكان الجواب أن معظم الناس لايفهمون العربية. المنطق بقول لنا في هذه الحالة إن جل الناس يتعلمون دينهم عبر اللغة الفارسية وفق اجتهادات محددة، والتي قد يجاوز فيها البعض حدود المنطق، وهنا هل يُلام العوام من الإيرانيين على فهمهم للإسلام؟! لن أجيب على هذا التساؤل لكنني أقترح قيام دول الخليج العربي بمبادرة حضارية للتواصل مع الناطقين بالفارسية حول العالم، وفي إيران تحديداً كي ننقل لهم وجهة نظرنا في كثير من المتغيرات، لقد بادرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بهذه الفكرة قبلنا عبر القناة الإيرانية الناطقة بالعربية، فلم الاستغراب من قيام دول الخليج بتطبيق نفس الفكرة؟ إن القناة العربية الناطقة بالفارسية تمثل أسلوباً حضارياً للتواصل بين الشعوب بشرط أن تكون برامجها مدروسة يقوم عليها أناس معتدلون في طرحهم، يبينون رأي الإسلام الصحيح في كثير من المتغيرات، ويشرحون الدين بلغة ميسرة للعامة من الناس قبل الخاصة، وسيستفيد من طرح هذه القناة أهل السُنة الناطقون بالفارسية بالدرجة الأولى وهم كثر، وكذلك ستفيد هذه القناة العقلاء من أهل فارس الذي شط بهم المسار عن جادة الصواب في كثير من الأوقات لجهلهم بالعربية، وربما تسهم هذه القناة لو أحسنا إعداد برامجها في تقريب الشعوب على طرفي الخليج العربي بعضهم من بعض، وتردم الخلافات السياسية المبنية على الأمور العقدية، إضافة إلى المصالح التي تحرك السياسة اليوم أكثر من العقائد.