يشكل القرار الذي أصدره قاضٍ إيطالي بمثول 25 من عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للمحاكمة في الثامن من شهر يونيو المقبل، إلى جانب تلك المظاهرة الشعبية الضخمة التي شهدتها مدينة "فسينزا" الإيطالية، ضد توسيع القاعدة الأميركية في إيطاليا، الأسبوع الماضي، مؤشرين قويين على تزايد الصدع والشقاق بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، فيما يتصل بالتكتيكات الواجب تبنيها في إطار الحرب الدولية المعلنة على الإرهاب، دون أن يعني هذا السلوك الأوروبي بالضرورة، تقويض العلاقة الأطلسية مع واشنطن. وكان قد وجه الاتهام لـ25 عميلاً من عملاء "سي آي إيه"، إضافة إلى ضابط طيران عسكري أميركي، وكذلك لـ"نيكولو بولاري"، رئيس جهاز الاستخبارات الإيطالية، في السادس عشر من شهر فبراير الجاري، باختطاف داعية إسلامي مصري، من أحد شوارع مدينة ميلانو في عام 2003، ثم ترحيله إلى ألمانيا، ومنها إلى مصر. وفيما لو استمرت إجراءات هذه المحاكمة، فستكون الأولى من نوعها، التي يمثل فيها متهمون أميركيون من أجهزة الاستخبارات السرية والجيش، في دولة أجنبية، حتى وإن لم يظهر المتهمون أمام المحكمة بالفعل. ووفقاً لنصوص القانون الإيطالي، فإنه يمكن محاكمة المتهمين وإدانتهم غيابياً. وفي حالة مشابهة، طالب المدعي العام لمدينة ميونيخ الألمانية، قبل أسبوعين، بتسليم 13 من عملاء وكالة "سي آي إيه" المتهمين باختطاف وتعذيب مواطن لبناني الأصل، مقيم في ألمانيا. وفي جانب من الجوانب، يقول الخبراء والمحللون إن هذا الشعور بالإحباط القانوني، السائد الآن في أوروبا إزاء السياسات الأميركية، إنما يعود جزئياً إلى ضبابية وطول أمد الحرب المعلنة على الإرهاب، إضافة إلى احتمال سعة برنامج الرحلات، الجوية الخاص بتسليم وترحيل المتهمين بجرائم الإرهاب. وبهذه المناسبة، فقد أصدر الاتحاد الأوروبي تقريراً في بروكسل الأسبوع الماضي، شجب فيه هذه العمليات والأنشطة الاستخباراتية السرية، وقدر عدد الرحلات التي جرى خلالها تسليم مشتبه بهم في الحرب على الإرهاب، بحوالى 1.245 ألف رحلة على أقل تقدير، عبر مختلف دول الاتحاد الأوروبي، منذ عام 2001. كما أشار التقرير نفسه إلى تورط عدد من الدول الأوروبية مع الولايات المتحدة بصفة فردية، في تنظيم وتنفيذ تلك الرحلات. وتعليقاً على ذلك، يرى "مايكل كلاريك"، من "مركز الدراسات الدفاعية" بلندن، أنه لم يحتج أحد على هذه الأنشطة في بادئ الأمر، إذ لم تكن بهذه الكثافة التي أعقبت بدايات الإعلان عن الحرب، خاصة مع ما كان يكتنف الحرب كلها من ضبابية والتباسات أخلاقية. غير أن الأجواء العامة السائدة في مختلف أنحاء القارة الأوروبية خلال الآونة الأخيرة، خاصة مع تنامي الشعور بأن الحرب نفسها كانت خطأً فادحاً، ساعدت على ازدياد الخلاف بين أوروبا وأميركا، في تعريف وفهم كل منهما للحرب الدولية المعلنة. ومن وجهة النظر الأوروبية، فإن الإرهاب يعد قضية من قضايا القضاء الجنائي، مع الاعتراف بأن لها تداعياتها وتأثيراتها العالمية. لذلك فمن الطبيعي إذن أن تسفر هذه الأجواء المحيطة بالحرب المفتوحة المدى والأهداف على الإرهاب الدولي، عن نظرة أوروبية أكثر قرباً ونقداً لآليات وسبل التعاون الأوروبي مع واشنطن فيها، خاصة ما يتصل بالتعاون مع أجهزتها ووكالاتها الاستخباراتية. وبالنتيجة فقد انفتحت نافذة جديدة لإثارة أسئلة وقضايا جد محرجة لماضي سلوك بعض الدول الأوروبية على صعيد فردي، وتعاونها مع واشنطن في هذه الأنشطة، بما في ذلك ما يمكن تسميته بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية في "تصدير التعذيب" إلى خارج القارة الأوروبية. وضمن هذه النظرة النقدية الأوروبية الجديدة لهذه العلاقة، أشار التقرير إلى رأي قانوني أدلى به "مايكل وود"، المستشار السابق لوزير الخارجية البريطاني، ملخصه أن المعلومات المنتزعة من المتهمين بواسطة التعذيب، لا تعد انتهاكاً لمعاهدات الأمم المتحدة التي تحرِّم التعذيب، طالما أن الدولة ليست طرفاً مشاركاً في ممارسات التعذيب إياها. إلى ذلك أشار الخبراء إلى أن تقرير الاتحاد الأوروبي المذكور، المؤلف من 77 صفحة، جاء حاملاً لمشاعر غضب، تتجاوز كثيراً مجرد سرد الحقائق التي من شأنها دفع عدد من دول الاتحاد الأوروبي لبدء تحقيقات قانونية حولها على الفور. ولكن من المؤسف أن القليل جداً من الخبراء والدبلوماسيين الذين تم استدعاؤهم من قبل الاتحاد الأوروبي، للإدلاء بإفاداتهم حول الأمر، استجاب للدعوة وأبدى اهتماماً يذكر بها. وليس ذلك فحسب، بل إن رصد وفضح هذه الرحلات الجوية المذكورة نفسها، نظمتها ونفذتها مجموعات خاصة من هواة هذا النوع من النشاط، من غير المحترفين. وعلى رغم أن هذا السلوك قد أفاد من ناحية توفيره مادة إعلامية ثرية للتغطيات الإخبارية والصحفية، فإنه يتعذر التعويل عليه من الناحية القانونية، باعتباره بيِّنة إثبات يعتد بها قضائياً. وبسبب الثغرة القانونية هذه، فقد جاء تعليق "هوجو برادي"، من "مركز الإصلاح الأوروبي" في لندن: "لست أرى ما يدعم إجراءات الإثبات الجنائي في تقرير الاتحاد الأوروبي عن الرحلات الجوية موضوع النقد والاتهام. وفي وسع كل من يطلع على هذه الوثيقة بعمق، أن يرى أنها اعتمدت في كل ما جاء فيها على تقارير وتغطيات صحفية، أكثر من اعتمادها على البينات والأدلة الجنائية. وعلى رغم أنه ما من أحد يمكن أن يبدي سعادته بما تم من انتهاكات وخروق قانونية في إجراءات تسليم المشتبه بهم في الحرب على الإرهاب، بل وباحتمال تعرض الكثيرين منهم لممارسات التعذيب خارج الحدود الأوروبية، فإن التقرير لم يتعد حدود الإدانة والشجب، دون أن يُعنى كثيراً بتوفير الأدلة الجنائية الدامغة على ما شجبه وأدانه". روبرت ماركواند ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في باريس ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"