في الثاني عشر من فبراير 2007 افتتح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله ورعاه"، دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الرابع عشر للمجلس الوطني الاتحادي. ويأتي ذلك في إطار حرص رئيس الدولة على تفعيل دور المجلس في الحياة العامة للوطن والمواطنين بما يتساير مع النهضة الشاملة التي يشهدها الوطن ويسير من خلالها نحو المستقبل بكل ثقة وثبات. ما يحدث حالياً من تفعيل لدور المجلس، لابد له أن يعزز مسيرة الدولة الاتحادية ويحقق جزءاً من آمال وطموحات شعب الإمارات وقيادته الرشيدة نحو تحقيق حياة أفضل وبناء وطن منيع ذي صروح شامخة. المجلس الوطني الحالي يطل على مواطني الإمارات بثوب جديد، فعدد من أعضائه منتخبون، وعدد آخر يأتي من وسط الإناث، أي أنه لم يعد مجلساً ذكورياً كما كانت عليه أحوال جميع المجالس السابقة، وهذه أمور تحدث لأول مرة في تاريخ الإمارات السياسي. ولاشك أن العديد من المهتمين بالشأن السياسي الإماراتي، وخاصة النخبة المثقفة، آخذون في المناداة بأن يضطلع أعضاء المجلس الجديد بدورهم وأن يعملوا على سنِّ العديد من التشريعات والسعي إلى تنفيذها بأقصى سرعة ممكنة. وفي سياق ذلك سيقوم هؤلاء بمطالبة أعضاء المجلس القيام بكثير من الأمور التي لا تقع ضمن اختصاصاتهم وفقاً للطريقة التي يتم بها تشكيل المجلس، الذي هو استشاري محض وليس تشريعياً. لقد لاحظنا من خلال رصد العديد من الكتابات والمناقشات التي دارت خلال فترة الحملة الانتخابية لاختيار الأعضاء المنتخبين في المجلس، أن معظم ما ورد فيها ينحو نحو تحميل المجلس وأعضائه القيام بمسؤوليات هي فوق طاقتهم، بل هي خارج نطاق صلاحياتهم الدستورية، وذلك استناداً إلى أن نصف الأعضاء منتخبون. لقد انبرى عدد من أساتذة الجامعة والمثقفين الذين تحدثوا في الموضوع إلى تحميل المجلس الجديد القيام بمسؤوليات متعددة تتعلق بجوانب تشريعية وتنفيذية. وبذلك الطرح يكون من نادى به قد نسي أو ربما تناسى المرجعية الدستورية والقانونية التي يتشكل المجلس على أساس منها، وتناسوا طبيعته الاستشارية المحضة. وفي هذا الصدد يجدر التنويه إلى أنه خلال الحقبة الزمنية التي مضت منذ قيام الاتحاد، يلاحظ أن دور المجلس الوطني في العملية التشريعية لم يكن واضحاً أو حاسماً. والمقصود من ذلك هو القول إنه وفقاً لدستور الدولة المعمول به حالياً لا توجد نصوص واضحة وصريحة وملزمة تسند إلى المجلس الوطني الاتحادي مهمة السلطة التشريعية، لا كلياً ولا جزئياً، فرغم ما يذهب إليه البعض ممن درسوا تركيبة السلطة السياسية في الإمارات، بأن السلطة التشريعية فيها رباعية في اختصاصها ويسهم فيها كل من المجلس الأعلى للاتحاد ورئيس الدولة ومجلس الوزراء والمجلس الوطني، إلا أن الحقيقة تشير إلى غير ذلك. فالمشرع حين صاغ المواد الدستورية المتعلقة بدور المجلس الوطني الاتحادي جعل سلطته استشارية كاملة لا تلزم حكومة الاتحاد بكافة مستوياتها دستورياً. إن حجم ودلالات القوانين والمراسيم والقرارات التي اتخذتها الحكومة الاتحادية منذ قيام الدولة حتى الآن، يزودنا بفكرة واضحة حول مدى ونطاق سلطة الحكومة ودرجة أدائها والاتجاه الذي تسير فيه. وخلال المسيرة الاتحادية المباركة صدر كمٌ هائلٌ من القوانين والمراسيم والقرارات، ولا يلاحظ بأن المجلس الوطني لم يقم بمناقشة وتمرير جميع ما سُنّ أو صودق عليه منها، ولكن ما قام به هو المناقشة طلباً للمشورة والتوصية بالتصديق على البعض الذي عرض عليه، أما الجهة التي تلعب الدور الرئيسي الحاسم في خروج التشريعات، فهو مجلس الوزراء الذي يتمتع باليد الطولى في إعداد وصياغة ومناقشة وإصدار جميع التشريعات على المستوى الاتحادي. ومن تتبع الأوضاع الاتحادية خلال الفترة الماضية، يلاحظ أن التشريعات الاتحادية نظمت بطريقة تعكس مجالات الاهتمام الوطني والمصلحة الوطنية في جميع المراحل التي مرت بالبلاد، وبشكل شمل كافة قضاياها الوطنية. لقد شملت تلك المجالات في بداية الأمر القضايا المتعلقة بإنشاء المؤسسات الاتحادية والقضايا المالية والتجارة والتنمية الاقتصادية والخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وإسكان، بالإضافة إلى الأمن الوطني والاجتماعي وقضايا التنمية الأخرى بمفهومها العام. والغرض من إيرادنا لكل ذلك هو الإشارة إلى أن ما صدر من تشريعات وقوانين هو شيء مشابه لما يمكن لأية حكومة عصرية أن تصدره، ولكن الفارق الوحيد هو أن السلطة التنفيذية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن ذلك ولم يكن للمجلس الوطني الاتحادي دور من أي نوع فيها. نخلص من ذلك إلى أن دور المجلس لا يزال دوراً ثانوياً في العملية التشريعية بغض النظر عن الثوب الجديد الذي يلبسه المجلس الحالي. لذلك فإنه ليس من المتوقع لهذا الدور أن يتغير بين عشية وضحاها لكي نلقي باللائمة عليه بأنه لا يمارس صلاحياته. إن هذا الدور لن يتغير إلى أن تتغير التشريعات التي تحكم عمل المجلس وهو أمر يكمن في عمر المستقبل.