منذ ما يقارب عشر سنوات أصدر أوليفيه روا, وهو باحث وأكاديمي فرنسي مختص في شؤون التيارات الإسلامية, كتابا جر عليه نقدا كثيرا عنوانه "فشل الإسلام السياسي". الفكرة الأساسية في كتابه ذاك كانت تقول إن الحركات الإسلامية, معتدلها ومتطرفها, فشلت في تحقيق أهدافها بعد أكثر من نصف قرن على تأسيسها وشيوعها في البلدان الإسلامية. وكان قد حاسب تلك التيارات بحسب ما أعلنته من أهداف وطموحات وأهمها هدف إقامة "دولة إسلامية". لم تستطع أية حركة إسلامية الوصول إلى الحكم, ما عدا في السودان. في بقية الأقطار العربية والإسلامية كان كل ما استطاعت الوصول إليه هو تعزيز السلوكيات الإسلامية على مستوى الأفراد ونشر مظاهر دينية لا تتجاوز الزي الإسلامي وإطالة اللحى وبناء المساجد. في غضون ذلك لم تطور أي مضمون اجتماعي متماسك, أو نظرية سياسية اقتصادية قادرة على مواجهة أزمات المجتمعات العربية والإسلامية. استنفد "المشروع الإسلامي" أغراضه عندما واجه تعقيدات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة, وتشظى إلى تيارات متنافرة. منها من أنطوى تحت مظلة "الوضع القائم" في البلد الذي يعيش فيه, وقبل بالشكل السياسي المتحكم به من قبل نظام الحكم وتعايش معه. ومنها من تلاقت عليه أزمات داخلية مع الانسداد الخارجي وفقدان الأفق, فانتهى إلى تطرف شديد زاد من غربته وعزلته عن تيار المجتمع العام. وتوقع روا مستقبلا باهتا لتلك التيارات لجهة سيطرتها على الحكم, لكنه لم ينف إمكانية بقاء قوتها في الشارع الإسلامي, لكن كتيار يراوح في مكانه ليس إلا.
كان ذلك الكلام في سنة 1992/1993 عندما كانت التيارات الإسلامية في أوجها: تكتسح الإنتخابات, وتسيطر على الشارع, وتخيف الحكومات, من باكستان وتركيا, إلى مصر, واليمن, والأردن, وفلسطين, وصولا إلى الجزائر وتونس. لهذا كان له وقع المفاجأة على كثيرين إذ يلتقط أوجه الفشل في لحظة خيلاء النجاح ذاتها.
وحديثاً, يلحق روا أطروحته تلك بأطروحة لا تقل إثارة سطرها في كتابه الجديد "عولمة الإسلام" (L’Islam Mondialise). وهنا يعيد روا إنتاج أطروحة فشل الإسلام السياسي لكن من زوايا ورؤى جديدة, معولمة, ترد على نقاده الذين يقولون كيف يمكن القول بفشل الحركات الإسلامية وهي ما زالت في عز قوتها, بل إن بعضاً منها أصبح معولما, يجوب العالم, ويقاتل على جبهات كثيرة (فلسطين, أفغانستان, الشيشان, البوسنة, طاجكستان...) ويشكل خطرا على الغرب وتحديا للولايات المتحدة, بل وقادرا على ضربها في عقر دارها؟
يتناول روا هذا التشكيك بأطروحته بنفسٍ مُتروٍ, ويقول إن هناك فروقات مهمة بين الأمثلة التي تساق للتدليل على نجاحات الإسلاميين, وهو يراهم منقسمين تحت فئتين أساسيتين, الأولى فئة الإسلاميين الوطنيين والثانية فئة الإسلاميين المعولمين وكلاهما تقدمان مؤشرات مهمة على الفشل. الإسلاميون الوطنيون (أو القوميون) هم الذين قبلوا بصيغة "الدولة الوطنية" وقصروا نشاطهم السياسي والاجتماعي في إطارها حين لم يستطيعوا مصالحة شعارات ما فوق الدولة الوطنية مع الواقع السياسي للعرب والمسلمين المهيكل وفق صيغة تلك الدولة. فمثلا توقفت شعارات الوحدة الإسلامية, وغاب أي مضمون سياسي موحد تلتقي عليه كبريات الحركات الإسلامية, بل هي ترتد سياسيا لتشتغل وفق ما تمليه عليها ظروف البلد الذي تعيش فيه, وليس ما تمليه عليها أهداف ورؤى سياسية إسلاموية جامعة. ويضرب روا مثالا على ذلك مواقف الحركات الإسلامية (الإخوانية) من حرب الخليج الأولى 1991 وكيف فشلت في اتخاذ موقف متشابه, بل إن كل حركة من تلك الحركات تناغمت مع الجو السياسي السائد في بلدها. فإخوان الكويت أيدوا التدخل الاميركي, بينما إخوان الأردن عارضوه بقوة, فيما تذبذب إخوان مصر في موقفهم بين التأييد والمعارضة بشكل عكس المناخ المصري العام أكثر مما عبر عن موقف متلائم مع بقية الحركات الإسلامية. داخليا, أي بعيدا عن السياسة الخارجية, لم تقدم الحركات الإسلامية أي مشروع اجتماعي اقتصادي خلاق, وحشرت نفسها في الدعوات الأخلاقية والمسلكية. وعندما كانت تشعر بأنها مضطرة لأن تتخذ موقفا من قضايا ملحة مثل الخصخصة الاقتصادية, أو مواجهة الخيار بين تعزيز الملكية الفردية والإبقاء على الإصلاح الزراعي (كما في مصر مثلاً) فإنها كانت تتبنى مواقف متباينه, منسوخة عن مواقف اليسار التقليدي, أو عن مواقف اليمين المحافظ (في قضايا التجارة الحرة والضمانات الإجتماعية أو الملكية الزراعية). لكن مع كل ذلك بقيت أهداف الإسلاميين الوطنيين واضحة وهي محاولة السيطرة السياسية على الدولة الوطنية التي يعيشون فيها.
على عكسهم, لم يكن لدى شريحة واسعة من الإسلاميين المعولمين (الجهاديين!) أهداف واضحة. فهم في مواجهتهم معضلة الموقف من "الدولة الوطنية" لم يروا حلاً سوى التخلي عنها, ومحاربتها جملة وتفصيلا, والهروب إلى خارجها بحثا عن فضاءات "جهادية" تكون فيها ممارسة القتال هي الهدف. فكانت التجمعات الجهادية الجديدة التي تجوب العالم م