حطّمَتْ قلبي الدكتورة موزة بنت محمد الربّان عندما أعلنت عن دهشتها من أبحاث ومشاريع علمية "عالية الجودة" يقدمها العلماء العراقيون. قالت الدكتورة الربان، وهي عالمة فيزياء تشغل منصب أستاذ مشارك في جامعة قطر: "كنا نظن أن العالِم العراقي قد توقف، أو كاد، لهذه الظروف التي تهد الجبال، ولكن أثبت هذا الشعب العظيم العاشق للحياة، أنه لا يموت، ولا يُكسر". وقد كتبت الدكتورة موزة مقالاً في صحيفة خليجية ندّدت فيه بطريقة معاملة علماء العراق في بلدان عربية تحجب عنهم حتى تأشيرة الدخول للمشاركة في مؤتمرات علمية، وأعلنت استغرابها من دول "تدّعي العروبة والإسلام.. تُنهي عقود الأساتذة العراقيين تعسفاً"، وتستبدلهم "بمن هم أقل منهم علماً وخبرة، ميزتهم الوحيدة أنهم يحملون جوازات أجنبية..!". وعندما شكرها عالم عراقي على موقفها النبيل، أجابته في رسالة بالبريد الإلكتروني: "لا شكر على واجب يا أخي، إنما نحن جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، والعراق الحبيب هو سيد الأعضاء، فكيف لا نشعر به وقد اشتكى؟". رفقاً بالعراقيين أيتها السيدة الفاضلة، فالعراقيون أشدّاء، إلاّ مع الشقيقات. حزنُ الشقيقات يهدُّهم هدّاً. والله وحده يعلم ما في قلوب رجال العراق، إذ يرون مليوني امرأة عراقية لاجئة، كثير منهن أرامل فقدن أزواجهن، أو آباءهن، بسبب الحرب والاحتلال. ما بين التهجير والاغتصاب والقتل في الداخل، والتسول وتعاطي البغاء في الخارج. هذه هي الخيارات المتاحة لنساء العراق المشرّدات، حسب تقارير "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" IRIN. وقد كشف أخيراً تقرير للمكتب من بغداد تفاصيل جريمة اغتصاب فتاة جامعية اسمها "ليانا"، ولا أذكر هنا لقبها صوناً لاسم عائلتها الكريمة. توجّهت "ليانا" بشكواها إلى مكتب الأمم المتحدة بعد أن أنكرها ضباط فرقة التفتيش في الجيش العراقي الذي أنشأه الاحتلال. كانت الفرقة قد داهمت منزلها بحثاً عن "إرهابيين"! وبعد يومين من المداهمة اقتحم المنزل أحد أفراد قوة التفتيش، واغتصبها بالعنف، مُهدداً بأنه سيقتل أخاها الوحيد إذا أبلغت عن الحادث. وكان تقرير مكتب الأمم المتحدة قد سجل 60 حادث اغتصاب خلال فترة 3 شهور من العام الماضي، إضافة إلى 80 حالة اعتداء على النساء. وذكر التقرير أن عدد حوادث الاغتصاب قبل الاحتلال لم يكن يزيد على خمس حالات سنوياً. وتعتقد "ليانا" أن شهادتها قد تساعد فتيات كثيرات من ضحايا الاغتصاب على التبليغ عمّا جرى لهن، وهي تدرك "صعوبة ذلك في بلد مسلم محافظ كالعراق"، وتستدرك قائلة: "إذا لم نتحدث فسيزداد عدد الفتيات الضحايا، وستفقد كثير من الفتيات العُذرية التي وهبها الله لهن". و"ليانا" من عائلة مسيحية محافظة، ومسيحيو العراق على خلاف التصورات المسبقة، شديدو المحافظة، وكثيرٌ منهم عربٌ بدوٌ أقحاح. إنهم نسل أوائل المسيحيين في العالم، عندما كانت "أمم الغرب المسيحية المتحضرة" تعيش همجية في الكهوف. هالة الأنفة المعذبة التي تكلل مريم العذراء في لوحات الفنانين، تحيط وجه "ليانا" المرفقة صورتها الفوتوغرافية بتقرير الأمم المتحدة. ومحنة ضحايا الاغتصاب تتفاقم إذا حاولن التبليغ عن الحادث الذي يقع أحياناً داخل مراكز الشرطة العراقية. ذكر ذلك تقرير لوكالة "أ. ب." من بغداد عن "أم عراقية سُنيّة عمرها 20 عاماً، اغتصبها ثلاثة من أفراد قوة البوليس الخاضعة للشيعة" حسب الوكالة. وقالت الأم الشابة إن أفراد الشرطة اعتقلوها بتهمة طبخ الطعام لرجال المقاومة، وكان أحدهم يكمِّم فمها، ويغتصبها الآخر، حتى لا يُسمع صراخُها. ويدمي القلب عتابها لمغتصبيها: "لم أكن أعلم أن عراقياً يمكن أن يفعل ذلك لعراقي آخر"! وأنقذها من الموت تبليغ أحد جيرانها لجنود أميركيين في الموقع. ونفى أول أمس مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي صحة الاتهام، وأمر بتكريم المتهمين! ويبدو من مضاعفات التحقيق أن المحتلين الأميركيين يبتزون الاتجاه الطائفي لحكام بغداد، فيما هم يتواطؤون معهم في إصدار أوامر الإعدام بحق أربع نساء عراقيات متهمات بالانتماء للمقاومة العراقية. "هدية العيد" لنساء العراق بمناسبة يوم المرأة العالمي "باقة من رؤوس أربع نساء عراقيات سيتم تنفيذ حكم الإعدام بهن الشهر المقبل". قالت ذلك الروائية العراقية "هيفاء زنكنة"، وذكرت في مقالة في صحيفة لندنية أن "منظمة العفو الدولية" شنّت حملة عالمية لإنقاذ حياة النساء الأربع: سمر سعد عبدالله (25 عاماً)، ولقاء محمد (25 عاماً) وهي معتقلة مع زوجها وطفلتها الرضيعة، ووسن طالب (31 عاماً)، وزينب فاضل (25 عاماً) وهي معتقلة مع طفلتها ذات الثلاثة أعوام. إعدام النساء أهون من تعذيبهن ورمي جثثهن في الشوارع. تفاصيل مفزعة تضمنها تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" عن حي الداودي الذي كان يُعتبر من أرقى أحياء بغداد، وتحول الآن إلى مرمى للجثث المجهولة. وتحدثت الصحيفة عن جثة امرأة بقيت تحت المطر أياماً عدّة قبل أن "تلتقطها سيارة للشرطة جاءت مطفأة الأضواء، تحت جُنح الظلام، وانسّلت بالجثة متوارية كاللصوص". الموت عاراً؛ مصير كثير من النساء المشردّات خارج العراق. مشاهد مروّعة عرضها تقرير التلفزيون الأميركي "سي بي إس" عن عراقيات يتاجرن في العواصم العربية "بأثمن ما تبقى لهن، وهو أجسادهن". وذكر التقرير الذي حمل عنوان "خيارات مستميتة" أن كثيراً من العراقيات البائسات فقدن أزواجهن، أو آباءهن بسبب الحرب وأصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن. "فرح" في الخامس عشرة من العمر تقول إن أهلها سيقتلونها إذا علموا بها، لكنها ستنتحر قبل ذلك، وتضيف قائلة: "أنا أصلاً ميتة". ولا أستطيعُ الكتابة عن لاجئات بعمر الزهور، من مدن عراقية عريقة، يبعن أجسادهن في عواصم عربية لإعالة أسرهن. قلت ذلك في حديث هاتفي مع الشيخ هادي الخالصي، وهو من ممثلي التيّار الشيعي الوطني المناهض للاحتلال. سأل الشيخ هادي: "ليش ما تستطيع تكتب"؟ قلتُ له: "أبكي"، قال لي: "ابكِ". وخجلتُ أن أخبر الخالصي أنني كنت قبل أيام أختنق بالضحك وأنا أبكي. كنت أنصت لصبي يروي لي كيف فقد إبهام قدمه. كان الصبي يداري خجله من إبهام قدمه المبتور بالحديث عن مسافة ساعتين قطعها حاملاً إبهامه حتى وصل المستشفى الذي أخفق في إعادة الإبهام إلى مكانه. وانتبهتُ إلى أن أب الصبي الذي يعمل أستاذاً للفيزياء في جامعة خليجية كان يتطلع فيّ شزراً، وأنا أتأوه متابعاً حكاية الابن. والتفتَ الأبُ مخاطباً ولده وهو يشير نحوي بازدراء: "بويه، نحنا بدو. تنقطع إيدينا... رجلينا... نشيلهه ونمشي". كان الصبي الذي ذاق طعم الموت يهز رأسه موافقاً أباه بحماس، فيما كان يختلس نظرة مبتسمة نحوي تطمئنني إلى أن أباه يبالغ. واختنقتُ بنوبة ضحك لا تصدر إلاّ عن شخص على وشك الانفجار بالبكاء. فيا بلدي العراق الحبيب... لا تبكِ، لا تبكِ، لا تبكِِ.