في السابق كان الاقتصاد هو العامل الأول المحدد لنتائج الانتخابات في الولايات المتحدة، وكانت عبارة "إنه الاقتصاد أيها الغبي" إحدى الجمل الشهيرة التي استخدمت خلال الحملة الانتخابية للرئيس بيل كلينتون عام 1992. أما اليوم فقد انتقلت الهيمنة من الاقتصاد إلى الشؤون الدولية، بحيث طغت الشؤون الدولية، ولا سيما ملف العراق، على الانتخابات الرئاسية لعام 2004. ومن المتوقع في ظل استمرار نمو الاقتصاد بهدوء ونجاح، أن تحتل العلاقات الدولية مرتبة الصدارة في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2008. غير أن المثير للانتباه في عصر العولمة وسيطرة الانشغالات الدولية على الأجندة السياسية أن تتجه بعض الشركات الإعلامية الكبرى في الولايات المتحدة إلى التخلي عن مسؤوليتها في توفير خدمة الإعلام للقراء والمشاهدين والمستمعين وإطلاعهم على ما يجري في العالم من خلال تحليل الأحداث الدولية وشرح أبعادها المختلفة. فقد شرعت بعض كبريات الصحف الأميركية مدفوعة بانخفاض نسب التوزيع، والتكلفة المرتفعة، فضلاً عن منافسة الإنترنت، في إقفال مكاتبها الأجنبية، وخفض الاعتمادات المالية المخصصة للرحلات الخارجية. وهكذا أعلنت مؤخراً "ذي بوستن جلوب" بأنها ستغلق آخر مكاتبها الثلاثة الخارجية في برلين وبوجوتا والقدس، بعد ثلاثة عقود من العمل المستمر. وفي الإطار نفسه ستغلق صحيفة "بالتيمور صن" مكاتبها في جنوب أفريقيا وروسيا، بعدما قامت في السابق بإقفال مكتبيها في بريطانيا والصين. ولا يختلف الأمر كثيراً في وسائل الإعلام المرئية، حيث شرعت العديد من المحطات التلفزيونية في إغلاق مكاتبها الأجنبية وسحب مراسليها. وتلجأ تلك المحطات إلى إيفاد مراسلين إلى الأماكن المختلفة لفترة وجيزة كلما تطلب الأمر ذلك دون الانتباه إلى أن هؤلاء المراسلين الموفدين على عجل يفتقدون للخلفية الثقافية والمصادر الأساسية التي يمتلكها المراسلون المقيمون. هذه التغييرات التي بدأت تلحق بعالم الصحافة أزعجت المعلق والكاتب "فريد حياة" الذي بث مخاوفه في صحيفته "واشنطن بوست" معتبراً أن ما يجري حالياً سيؤدي إلى "اختفاء المراسل الأجنبي". فمن خلال تجربته السابقة كمراسل أجنبي في طوكيو، يعترف "فريد حياة" بالعمل الجيد الذي يقوم به مراسلو وكالات الأنباء، مثل "أسوشياتد بريس" وغيرها في نقل الأخبار، إلا أنهم لا يستطيعون تقديم التحليلات العميقة والتغطية المستفيضة التي يوفرها المراسل الأجنبي لجريدته. واللافت، يقول "فريد حياة"، إنه بعد هجمات 11 سبتمبر "تولّد إجماع لدى جميع الأميركيين على أنه من الأفضل الانفتاح على العالم والتعرف على ثقافاته المختلفة". لكن في استطلاع للرأي أجرته صحيفة "كريستيان ساينس مونتور" درس تغطية الأخبار الدولية في الصحافة الأميركية، ظهر أن عدد المراسلين الأجانب في تلك الصحف انخفض من 188 عام 2002 إلى 141 في العام الفائت. وللتقليل من خسائرها المتوالية لجأت الصحف إلى اتخاذ مجموعة من التدابير علها تحد من انخفاض التوزيع. فعمدت بعض الصحف إلى إنشاء ملاحق إضافية لتغطية نفقات صفحات الجريدة الرئيسية. وقامت "وول ستريت جورنال"، أسوة بباقي الصحف، بتقليص حجم الورق لادخار ملايين الدولارات التي تكلفها الطباعة الورقية في السنة. أما البعض الآخر فلجأ إلى الصفحات الإلكترونية التي كانت تعمل في طور التجربة لعدة أعوام، لكنها زادت أهميتها مؤخراً بعدما بدأت تسترعي انتباه المعلنين. وهكذا انتقلت "وول ستريت جورنال" في بث أخبارها العاجلة من النسخة الورقية إلى نسختها الإلكترونية، بينما احتفظت بالتحليلات المعمقة والمقالات المطولة على صفحات الجريدة الورقية. وهو الأمر الذي أعلنت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" أنها ستسير على خطاه، بحيث ستعتمد على الإنترنت في بث الأخبار العاجلة، وستبقي التقارير المفصلة على صفحاتها الورقية. ويعزو المحرر "جيمس أوشيا"، من "نيويورك تايمز" هذا التوجه نحو تعزيز النسخ الإلكترونية إلى تراجع الإعلانات في الصحف الورقية. فقد انخفضت نسبة إعلانات السيارات في "نيويورك تايمز" بواقع 47 مليون دولار خلال السنة الجارية بالمقارنة مع عام 2004، وهو ما دفع "جيمس أوشيا" إلى إطلاع زملائه في اجتماع لأعضاء هيئة التحرير أنه "ما لم يتم تغيير التوجهات الحالية، فإننا لا يمكننا الاستمرار في توفير الأخبار بتكلفة معقولة". يذكر أن الصحف الأميركية الكبرى مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" و"لوس أنجلوس تايمز" ثم "وول ستريت جورنال"، تخصص موازنة مهمة للمراسلين الأجانب تفوق بكثير موازنتها للمراسلين المحليين. فهل ستكون المكاتب الأجنبية ضحية التوجه الجديد نحو تقليص نفقات الصحف الأميركية؟ "برايان تيرني" الذي اشترى صحيفة "فيلادلفيا إنكوايرير" صرح للصحفي "هوراد كوتز" من "واشنطن بوست" قائلاً: "إننا لسنا بحاجة إلى مراسل في مكتب القدس، بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الأشخاص يعملون في مكتب مقاطعة جيرزي الجنوبية". وإذا كان "فريد حياة" يتساءل ما إذا كانت انشغالاته حول مستقبل المكاتب الخارجية مجرد "حنين إلى عهد مضى" لا يمكن الرجوع إليه، نتمنى من جهتنا ألا يكون الأمر كذلك. ففي عالم حافل بالاضطرابات مازالت الحاجة قائمة لتدفق المعلومات حول التحديات المستجدة واقتراح الأساليب الجديرة بحلها. جون هيوز مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركية في إدارة رونالد ريغان ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"