في ضوء المفاهيم المتعددة والمتضاربة للحداثة والتحديث والتطوير والعصرنة التي تعيشها دولة الإمارات منذ سنوات، من أجل الوصول إلى التنمية الشاملة والمستدامة، والتي تحقق الكثير منها في عدد من المجالات بفضل الخطط والممارسات الحكيمة لقيادات الدولة، تبرز اليوم خطة دبي الاستراتيجية 2015 التي أعلن عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والهادفة في الأساس -وباختصار- إلى تعزيز أداء القطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية لضمان مواصلة تحقيق معدلات نمو اقتصادي قوية، إضافة إلى كونها تعزز استراتيجية التنمية في دولة الإمارات العربية المتحدة وتتكامل معها ولا تكون منعزلة عنها، كما أنها خطة تقف على أرضية صلبة من الإنجازات النوعية، التي تشكل القاعدة القوية للتنمية المستدامة في عصر المعرفة من خلال محاورها الخمسة الأساسية التي تشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتتناول البنية التحتية والأراضي والبيئة، وتعالج الأمن والعدل والسلامة والتميز الحكومي، وذلك كله -كما تذكر الخطة- سعياً نحو مزيد من الشفافية والمساءلة والكفاءة والاستجابة للجمهور، وتحسيناً لحقوق الإنسان وتحقيق العدالة والمساواة والحياة الكريمة لكافة فئات المجتمع. نأتي على هذه الخطة اليوم ليس لنناقشها فقط، بل لنتساءل أولاً، وفي ظل ما نعتقده من حرية التعبير، عن مدى مساهمة الكوادر والكفاءات من المتخصصين والخبراء في المشاركة في رسم وإنجاز الخطط الاستراتيجية التي ينبغي العمل عليها وتنفيذها لضمان نجاح هذه الخطط في تحقيق التنمية المرجوة. فمن حيث المبدأ هناك أشكال من الحداثة والتحديث والعصرنة، وهناك اختلاف على المفاهيم نفسها، فمن الذي يضع الإطار النظري للحداثة التي نريد، وأي شكل من أشكال الحداثة هو الملائم لمجتمعنا ولتجربتنا؟ وما دور علماء الاجتماع والأكاديميين الإماراتيين في وضع الخطط والدراسات التي سوف ينبني عليها مستقبلنا؟ وما هو حجم الحرية في مساءلة الخطط والبرامج التي يجري تنفيذها؟ ومبدئياً أيضاً نفترض وجود هذا الهامش من الحرية في التعبير، وهي الحرية المسؤولة والنابعة من الحرص على إنجاز تنمية ذات أسس علمية ووطنية شاملة، وبالتالي فنحن نشير إلى بعض الجوانب التي تضمنتها خطة دبي 2015، دون الدخول في تفاصيل الخطة. ومن هذه الجوانب ما يتعلق بالتنمية البشرية التي لا يمكن لأي تنمية أن تتم من دونها. وفي القلب من سؤال التنمية البشرية تقع مسألة حضور المرأة ودورها وحجم مشاركتها، هذه المسألة التي لم يكن الاهتمام بها يجسد مدى أهميتها والدور الذي تلعبه في تنمية المجتمع. فكيف يمكن أن تكون هناك تنمية اقتصادية في ظل تعطيل أكثر من نصف طاقات المجتمع وكفاءاته ومواهبه؟ ولماذا ما زالت المرأة محرومة من الفرص المتوفرة للرجل في ظل استمرار قوانين وعادات وتقاليد لا تتناسب مع حجم الانفتاح والتقدم الذي حققته الدولة، وفي ضوء النجاحات الباهرة التي حققتها الكثير من النساء حين توفرت لهن الفرص الملائمة؟ هذه الأسئلة لا تعني أننا لا نراعي ظروف مجتمعنا وثقافته وهويته، على العكس هي أسئلة تحاول الربط بين التقدم الذي جرى ويجري وبين الهوية الثقافية الوطنية والعربية- الإسلامية، هذا الربط الذي يتطلب من القائمين على وضع خطط التنمية العمل عليه بطرق عدة، أولها تبدأ بتوظيف الطاقات العلمية كي تدرس السبل الكفيلة بألا تتعارض ظروف التقدم مع الهوية، ودراسة كيفية المواءمة بين الهوية والتنمية، وكيف يمكن أن نتطور في ظل الهوية التي يجب أن تتطور في إطارها الخاص. باختصار، ولأن التنمية لا تتجزأ، فما الذي علينا أن نفعله لخلق تنمية ذات هوية خاصة بنا، وليست شكلاً من أشكال التنمية المستوردة؟ كما يرتبط الأمر بالتنمية الديمقراطية للمجتمع، وكيفية تمكين الرجل والمرأة على حد سواء من المشاركة في الحياة العامة وفي اتخاذ القرار في كل ما يتعلق بحياتهما ومستقبلهما على كافة الأصعدة، وهو أمر ينمي حالة الانتماء لدى المواطن بما يجعله يشارك في عملية التنمية من موقع المسؤولية العالية. هذه بعض الجوانب التي أردنا تناولها اليوم، ويبقى الكثير الذي يمكن أن نتناوله من زوايا مختلفة في مقالات قادمة إن شاء الله.