"المواطن المصري هو المخلوق الوحيد المختوم على قفاه في وطنه, المهان حتى الموت في الدول التي تختبئ في براميل النفط, فهو يشتهر بكرم الضيافة رغم فقره وغلبه, وعندما يذهب إليهم, لا يجد من يضايقه ولو بشربة ماء, يشيل العرب عندما يأتون إلى مصر, ويعربدون في شوارعها, وعندما يبحث عندهم عن لقمة العيش يسحلونه ويضربونه بالشباشب والصنادل التي ما زالت تفوح منها رائحة البداوة"... هذه مقدمة لما كتبه الكاتب الصحفي محمد الرفاعي في مجلة "صباح الخير" المصرية في 30 يناير 2007. أما ما جاء في صحيفة "الحادثة" في عددها 85 حول برنامج هالة سرحان في قناة "روتانا" والتي اتهمت فيها بالإساءة إلى بنات مصر عندما استعرضت حياة بنات الليل، فأهمه أن هالة سرحان تعمدت الإساءة إلى مصر وتغاضت عن ممارسات لسيدات الخليج عندما يأتين إلى مصر..."! السؤال الملح: لماذا تحدثت هالة عن بنات مصر ولم تتحدث عن بعض النساء العربيات اللائي يجئن إلى مصر ..." هذه مقتطفات لما كتب في صحيفتين مصريتين عن الخليج, وبكل تأكيد هي حالة نمطية مدفونة في النفوس وطبعاً ليس كل النفوس المصرية، كما أنه لا يعكس توجهات الشعب المصري. النمطية تجاه الشعوب تمارس لتعبر عن سوء فهم في التواصل وقبول الأشياء كما هي عليه دون محاولة للبحث والتقصي. الغرب يحمل نمطية ضد الشخصية المسلمة والعربية، وهي نمطية نعرف أسبابها وأبعادها حيث لعبت وسائل الإعلام دورا في تغذيتها. أما النمطية العربية فنفسرها باعتبارها ظاهرة واسعة الانتشار بين العرب أنفسهم وترجع لأسباب عديدة ومعقدة. البعض يرى في الخليج البداوة المرتبطة بالسذاجة وأن النفط كان له الدور في إبراز المنطقة وليس الإنسان ولولا عوامل الصدفة التاريخية لما كان للمنطقة شأن في التفاعل الحضاري. وفي الوقت نفسه يحمل الخليج نمطية ضد أشقائه العرب، وهكذا يجد العرب أنفسهم أمام شحن عاطفي ضد بعضهم البعض. الغريب في المثال المصري وخصوصاً في صحيفة "الحادثة" كونه يعكس خللاً كبيرا في العلاقة ويجسد نوعاً من الحقد ضد الشخصية الخليجية. من حق الصحيفة أن تختلف مع هالة سرحان ومن حقها أن تدافع عن بنات مصر، ولكن ما علاقة ما تحدثت عنه في تلك الحلقة من برنامجها حول بنات الليل، وبين سيدات الخليج؟ ولماذا عدم الاتفاق معها يكون من خلال استخدام المثال الخليجي؟ نحن نفهم أن كل المجتمعات فيها الصالح والطالح وأنه ليس بالضرورة ما قالته هالة سرحان يمثل الحالة المصرية, فمصر دولة فيها فكر وعقول وكونها تضم بنات الليل فهذا لا يعيبها, خصوصاً أن بنات الليل يوجدن في مجتمعات كثيرة، وضمنها مصر والخليج أيضاً. باعتقادي أن ذلك الموقف ربما يجسد حالة عدم الرضا على القنوات الإعلامية الفضائية التي استطاعت أن تسحب البساط من القنوات المصرية، خصوصاً أنه في المراحل السابقة كان الإعلام المصري هو المسيطر، وبظهور الفضائيات الخليجية لم يعد بمقدوره التنافس معها مما أثار حفيظة بعض من كتاب الصحافة المصرية. هذه الظواهر تعكس الخلل في العلاقة بين العرب أنفسهم وتعبر عن تباعد، بل تشير إلى أنه لا يمكن للعرب أن يصبحوا قوة حقيقية طالما هم يحملون في نفوسهم اتجاهات غير صحية ضد بعضهم البعض. المثال الذي أوردناه يؤكد لنا طبيعة أزمة العقل العربي, فهو عقل ينحو نحو العاطفة ويسارع بالتعميم وسريع الأحكام... ما يجعله غير قادر على كسب الاحترام العالمي طالما ظل يتنازعه صراع داخلي يتسم بعدم الاتزان!