يستأثر حديث الديمقراطية والديكتاتوريات العربية على حيز كبير في الدراسات الأكاديمية الغربية و وفي المقالات السياسية الصحفية، أكد عليه إعلان الرئيس الاميركي جورج بوش خطاب نشر الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط في السابع من فبراير العام المنصرف، أما خطابه السنوي الثالث عن حالة الاتحاد فقد ربط فيه بين الإرهاب والديمقراطية في الشرق الأوسط قائلا إنه إذا ظلت المنطقة مكانا للطغيان واليأس والغضب على حد تعبيره، فستستمر في تفريخ رجال وتنظيمات تهدد أمن أميركا وأصدقائها، وأعاد تأكيد سياسة الديمقراطية إن صح التعبير نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني في المنتدى الاقتصادي بدافوس مؤكدا أن الديمقراطية بدأت تتجذر في العراق، مكررا "يجب أن نواجه آيديولوجيات العنف في المصدر من خلال الترويج للديمقراطية في أنحاء الشرق الأوسط الأكبر وما وراء ذلك، داعيا الدول الأوروبية إلى المشاركة في الترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط.
ستكون الديمقراطية والإصلاحات السياسية في الشرق الأوسط الاختبار الحقيقي لصدقية الإدارة الاميركية ومع أن حلاوة وبساطة الطرح الاميركي لمشكلة الديمقراطية في الشرق الأوسط لاتنفي تعقيد الأوضاع على الأرض، وهو مالايخفى عن صانعي السياسة الاميركية الا أن نغمة نشر الديمقراطية جميلة وتطرب خيال الناخب الاميركي أكثر مما تفعل بشعوب المنطقة هنا المعنية أكثر من غيرها، لكن دمقرطة الدول الشرق أوسطية ستتكشف فيها الخلفيات السياسية والحضارية للخطاب الأميركي حول الديمقراطية والليبرالية، والتي يتغلب فيها الخطاب المجرد حول التوسع الديمقراطي على الواقع المعاش. فالخيار بين المصالح الاستراتيجية والاقتصادية من ناحية والديمقراطية من ناحية أخرى كان دائما يحسم لصالح الأولى وذلك منتهى العقلانية وإذا ما أخذنا بالاعتبار أن الديمقراطية تتطلب إحداث تغييرات جذرية في المجتمعات كما في الحكومات فان عامل اللاإستقرار يبرز في أكثر التحليلات واقعية، فهل ترغب الحكومة الأميركية باستقرار كاذب يضمن أمن المصالح الإميركية أم ديمقراطيات كاذبة ستأخذ عقودا على أفضل تقدير حتى تستقر القيم الديمقراطية وتتجذر في مجتمعات وثقافة سلطوية؟ الخيار واضح.
تتجاهل السياسة الخارجية الأميركية تعمدا مايزيد على الخمسين عاما من الدراسات التنموية لما كان يعرف بالعالم الثالث والتي تمت بمباركة الإدارات الأميركية المختلفة منذ بداية خمسينيات القرن الماضي والتي ركزت على العلاقة بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية بنموذجها الغربي، وإذا كان المحرك الأساسي لهذه الأبحاث الحرب الباردة والتنافس على مناطق النفوذ، فهذا لاينفي قيمتها الأكاديمية ورغبة الباحثين في محاولة التوصل الى دمقرطة شعوب وحكومات العالم الثالث، ولعل من أهم الدراسات الاقتصادية الاجتماعية دراسة "ٍSeymour Lipset " الذي درس العلاقة بين ثروة المجمع والديمقراطية واستنتج انه كلما زادت ثروة الأمة كلما زادت احتمالات بزوغ الديمقراطية في المجتمع ورسم علاقة خطية بين درجة التنمية الاقتصادية والديمقراطية، وبذلك فتح الباب لمئات الدراسات والنظريات التنموية السياسية، الاقتصادية والاجتماعية طوال نصف الثاني من القرن الماضي وحتى الآن، ولكن هذا لاينفي الاستثناءات للقاعدة وأشهر هذه الاستثناءات الدول الخليجية البترولية.
رغم ذلك، طرحت الإدارة الاميركية سياستها الديمقراطية في الشرق الأوسط ومن قبلها تزايد الحديث عن خلق عراق ديمقراطي كنموذج تحتذي به دول المنطقة، وبدأ المؤيدون للطرح الاميركي بنسج مقارنة بين المجتمع العراقي والمجتمعين الياباني والألماني بعد الحرب العالمية الثانية وكيف استطاعت السياسات الاميركية إحداث نقلت نوعية من الديكتاتوريات إلى الديمقراطيات المستقرة في هذين البلدين، لكن واقع الحال يشير إلى أن المجتمع العراقي يختلف اختلافا جذريا عن مجتمعي اليابان والمانيا بغض النظر عن تشوه المجتمع بفعل الحروب والحصار، فالقيم الاجتماعية والثقافية في المجتمع العراقي تتعارض في الأساس مع القيم الديمقراطية فالمجتمع تقليدي ذكوري يقوم على الولاءات التقليدية والعشائرية، وكل مايترتب عليه من قيم تقليدية بينما كانت مجتمعات اليابان وألمانيا حديثه قبل الحرب والقيم العصرية لم تخلقها أميركا بل كانت موجوده. غاية هذه المقارنه التأكيد على أن المقارنه لاتستند إلى أرضية قوية وإن كان حامل لواء التحديث والديمقراطية هي الولايات المتحدة كعنصر مشترك وحيد.
الديمقراطية على ظهر دبابة أميركية ليست حلا دائما، هي حقنة مورفين ثم ترجع الأمور لسابق عهدها، ولعل الرجوع إلى الدراسات التنموية يعطي فكرة أوسع عن المرغوب وما هو كائن فعلاً، والسياسات الاميركية في أميركا اللاتينية نموذج لايمكن تجاهله.