الفتاة المسكينة في هذا المقال ليست المحتاجة إلى مال كي تسدَّ به حاجاتها أو طعام لتتغذى به، كما أنها ليست يتيمة الأبوين كي تعوض حاجاتها العاطفية، لكنها تلك التي دست عقلها بعاطفة خادعة أجَّجت معها نار المودة التي بها سلبت أغلى ما تملك ألا وهو قلبها. نعم فقبل نهاية الأسبوع الماضي احتفل العالم بيوم العاشقين كما يسمى valentine’s day. وليس من العيب أن يُحِب المرء أو يُحَب، وليس من السوء بمكان أن تكون للإنسان علاقات عاطفية، لأن العاطفة جزء من كيان هذا الإنسان. لكن المصيبة أن يتحول الحي إلى مصيدة يلعب بها الشباب على الفتيات أو يتقرب بها الرجال إلى النساء، كي ينالوا منهن وطراً، دونما تحمل لمسؤولية هذا الحب. إنه حب زائف أو مصطنع، وليس أصيلاً، لأن من ينادي به همه شهوة طارئة أو لذة عابرة، بينما وُجد الحب بين الجنسين، كي تستمر به الحياة، وتعمر به الأرض. لو كنت مسؤولاً في إحدى المنظمات الدولية المعنية بحقوق المرأة، لحرمت عليهم الاحتفال بهذا اليوم بالطريقة التي رأيناها بين الناس. نعم لقد كانت بلادنا، ولله الحمد، بعيدة كل البعد عن استغلال المرأة، فقد كان الرجل إذا ما أعجب بإحدى بنات حواء، أرسل من يخطبها كي يتزوجها، فإنْ تم القبول، كانت الأسرة التي نشأت بالحب وعاشت به وتحملت معه كل الصعاب. ولا تزال هذه الممارسة شائعة بين الكرام من الناس والعقلاء من الجنسين، وقد عبر عنترة بن شداد عن أخلاق الرجال بقوله: وأغضُّ طرْفي ما بدَتْ لِي جارَتِي حتى يُوارِي جارتي مَأْوَاهَا وإني امرؤٌ سمْحُ الخَليقةِ ماجدٌ لا اتبع النفس اللجوج هواها لكنَّ مما وفد لنا من عصر العولمة ما أسميه بالحب الرخيص أو الحب المستعجل قياساً على الوجبات السريعة fast food. نعم فمع السرعة في الحياة، أصبح، لدى البعض، الحب سلعة يزايد بها كي ينال من حبه ما يود الذكر الحصول عليه من الأنثى. وقد تعمدت استخدام كلمة ذكر لأنها تجمعنا مع بعض الدواب الأخرى على كوكب الأرض. أما الرجل فله صفات أخرى تميزه عن بقية الدواب، والذكورة هي إحدى أبسط هذه الصفات. ذلك الذكر همه استدراج الفتاة غير العاقلة لمحطة عابرة من الرومانسية، فإذا قضى منها وطراً، بحث عن غيرها ممن هي أجمل لأن الجمال عند الذكر هو في المظهر والعطر، فإذا ما شم ذلك النسيم منها بحث بأنفه عن وردة أخرى، فكل همه الانتقال من زهرة إلى أخرى، دونما مراعاة لأدب أو خلق. هذا واقع يعيشه بعض الذكور، ولن أعمِّم لأن في بني آدم كثيراً من العقلاء الرجال بكل ما تحمله كلمة رجل من معانٍ. الفتاة التي تعلق قلبها بشاب ما، عليها أن تضبط عاطفتها بلجام العقل، ولا أقول العرف أو الشرع، لأن هذه القضية محسومة لدينا كمسلمين. العقل يقول لك إن هذا الإنسان متهم في عاطفته، ما لم يثبت حبه بالدليل الواقعي بعيداً عن الكلمات. والدليل الوحيد المطلوب في هذه الحالة، هو أن يبادر هذا الإنسان لزيارة بيت الفتاة كي يخطبها من أهلها، فإن لم يفعل، فعلى الفتاة ألا تتنازل تحت كلماته المعسولة، فالرجال طريقتهم في التعبير عن الحب هي بالعمل وليس القول، هذه قضية نفسية معروفة في علم النفس. فإذا طعَّم الرجل عمله بقول، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، أما إذا وقف الرجل عند منزلة القول والرومانسية اللفظية، فهو في حقيقة الأمر بعيد كل البعد عن العاطفة الحقيقية أو الحب. ومن هنا أصبح لزاماً على الفتاه العاقلة أن تميز بين الحب الحقيقي والتلاعب بالمشاعر، وقد صدق من قال: فمَا كُلُّ مَخْضوبِ البَنانِ بُثينةٌ ولا كل مَسْلوبِ الفُؤادِ جَميلُ.