عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، اقتصر دور موسكو في عملية السلام في الشرق الأوسط على تواجد رمزي فقط، رغم أنها طرف مباشر في "اللجنة الرباعية" الراعية لعملية السلام. لكن في ظل حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعلى أمل أن تستعيد دورها في الساحة الدولية كقوة مقابلة، أو أقله موازنة للنفوذ الأميركي، ها هي روسيا تعود إلى الشرق الأوسط من خلال رفضها لاحتلال العراق ولأسلوب التعامل الأميركي مع الملف النووي الإيراني، بل وأيضاً من خلال انخراطها بقوة في الملف الفلسطيني الأمر الذي تمثل كخطوة أولى بدعوة بوتين حركة "حماس" لإجراء محادثات في موسكو حيث اعتبرها الغرب دعوة جريئة بل خطيرة وخارجة على الإجماع الدولي! صحيح أن روسيا باعتبارها وريثاً للاتحاد السوفييتي وأحد أضلاع "اللجنة الرباعية" الدولية، لديها إمكانية العمل مع جميع الأطراف لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، إلا أنها لم تستطع أن تضاهي الضلع الأساس في الرباعية (أي الولايات المتحدة الأميركية)، سواء من حيث قدراتها المالية أو الاقتصادية بالإضافة إلى أن الدول العربية لم تبدِ اهتماماً كبيراً بتطوير علاقاتها مع روسيا طوال التسعينيات بسبب إدراك الجميع أنها لن تصطدم مع أميركا دفاعاً عن أي من المشاكل الإقليمية في الشرق الأوسط، أو حتى في أي منطقة أخرى من العالم، لكن وضوح الموقف المتمسك بالحل الدبلوماسي ورفض التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية لبلدان الشرق الأوسط... هو ما يميز الموقف الروسي عن الموقف الأميركي. لهذا كله، دأبت روسيا على انتهاج سياسة مستقلة في المنطقة أساسها تسريع وتيرة الجهود لتسوية المشكلات المستعصية في الشرق الأوسط وعدم السماح باندلاع أزمات جديدة. فنراها تصر على أهمية الالتزام الكامل بقرارات الشرعية الدولية وعلى ضرورة فتح حوار حقيقي وبناء بين كل الأطراف المعنية بالأزمات الراهنة وعدم الانزلاق نحو سياسة خاطئة تقوم على عزل أي طرف أو تجاهل دوره، وهو ما يؤكده مراراً وتكراراً وزير خارجيتها سيرغي لافروف، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الخلاف الدبلوماسي مع الأميركيين، حيث تتبادل موسكو وواشنطن الآن بعض الانتقادات بشأن السياسة في الشرق الأوسط، وصلت حد أن لافروف نفسه صرح بعد محادثات الأسبوع الماضي في واشنطن مع الرئيس الأميركي جورج بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس بأن الإدارة الأميركية الحالية هي "أصعب" شريك لموسكو، مضيفاً قوله إن روسيا "مثل أي بلد آخر تهتم بإقامة علاقات جيدة ومتساوية وواضحة مع الولايات المتحدة"، لكن "من الصعب بناء مثل هذه العلاقات". بل إن الأمر وصل حد الخلاف العلني بين لافروف ورايس خلال مؤتمر صحفي (يوم الجمعة الثاني من فبراير الجاري) بعد اجتماع "الرباعية"، عندما انتقد الأول بحدة السياسة الأميركية التي ترفض إجراء حوار مع إيران وسوريا وحركة "حماس" و"حزب الله". وكما أعلن لافروف، فإن "الواقع هو أن أهم نتائج الرئيس بوتين في السياسة الخارجية تمثلت في تعزيز مكانة روسيا على الساحة الدولية، فقد سارت خطوات مهمة على طريق انتهاج سياسة مستقلة في مختلف المجالات. ويمكن القول إن العالم بدأ يقتنع بأن روسيا القوية والواثقة من نفسها ليست ظاهرة مؤقتة بل تطور جدي عملت عليه الدبلوماسية الروسية ورسخته في شكل قوي ولفترة طويلة مقبلة، وتحول هذا الأمر إلى عنصر مهم على طريق استعادة التوازن في العلاقات الدولية والسير نحو ضمان الاستقرار في السياسة العالمية وتحولها إلى مسارات مدروسة يمكن التكهن بها بدلاً من حال الفوضى". إذن، باتت روسيا تدرك أهمية العودة إلى منطقة الشرق الأوسط، سواء من خلال الاقتصاد أو الوقوف كند لأميركا، خاصة مع فشل السياسات الأميركية في المنطقة واعتماد السياسة الروسية على الحوار. فعلى صعيد الوضع الفلسطيني الإسرائيلي تسعى روسيا لإقناع الرباعية برفع حظر المساعدات الغربية عن الفلسطينيين، حيث أكد ألكسندر سلطانوف نائب وزير الخارجية أن روسيا تعارض دائماً الحصار وتريد من "الرباعية" أيضاً تشجيع الفلسطينيين والإسرائيليين على الدخول في حوار مستمر ومباشر، بمعنى تحويل الحوار المباشر بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الذي بدأ قبل وقت قصير من العام الجديد والاجتماعات الجديدة المزمعة إلى محادثات شاملة. "فضلاً عن إصرار روسيا على عقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط، حيث أعلن لافروف أن فكرة عقد المؤتمر أصبحت مطروحة بشكل أكبر وبات الوسطاء، وبينهم الولايات المتحدة(!)، "يدركون" ضرورة اتخاذ مثل هذه الخطوة. وفي الإطار ذاته، يأتي الموقف الروسي من مسألة العراق، حيث تدعم روسيا الحوار الوطني العراقي الشامل والذي ترى أن وقته حان الآن من أجل التوصل إلى وفاق وطني يشمل كل الأطراف بالتعاون مع الأمم المتحدة وجيران العراق، خاصة إيران وسوريا، مع دعواتها المتكررة لقادة العراق الجدد إلى التفكير، ليس بمنطق تصفية الحسابات بل بخطوات عملية من شأنها تعزيز الوفاق الوطني وإخراج العراق من النفق المظلم الذي يعيشه، حتى أن نائب وزير الدفاع الروسي ألكسندر بيلوهوسوف اعتبر أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة حول العراق ستزيد المقاومة وتؤجج أعمال العنف وتوجه ضربة للأمن في الشرق الأوسط. كما يجب ألا ننسى إيران التي تراها موسكو حالة خاصة بالنسبة للدبلوماسية الروسية، باعتبارها "شريكة استراتيجية"، حيث يجد البلدان أن الواقع يدعوهما للتعاون في المجالين السياسي والاقتصادي في مناطق آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز، فمصالحهما تكمل بعضها بعضاً، وذلك إيماناً من روسيا بعدم قدرتها على شغل الفراغ الكبير بمفردها، إذ نراها تسعى لتثبيت إيران كدولة أساسية في اتخاذ قرارات الحل في الشرق الأوسط، من خلال دعواتها المتكررة إلى إشراكها وسوريا في عملية السلام في الشرق الأوسط، وإصرارها على عدم عزلهما حتى في الموضوع اللبناني. ومما لاشك فيه أن روسيا لا ترغب بظهور بؤر نزاع جديدة في الشرق الأوسط، وهو منطقة قريبة عملياً من حدودها، ولهذا فإنها لا تيأس من السعي لإيجاد حلول وسط لبعض أزماته الخانقة حتى اللحظات الأخيرة. فنراها الآن تقيم حواراً مع شركائها، سواء الذين ورثتهم من الاتحاد السوفييتي أو كشركاء جدد. وها هو الرئيس الروسي وقد حل ضيفاً على المنطقة مع زيارة مهمة للمملكة العربية السعودية هي الأولى لرئيس روسي إلى شبه الجزيرة العربية، مع ازدياد المؤشرات على نمو مساحة التطابق في الموقف الروسي مع كثير من مواقف الدول العربية.