شهد الشهر الماضي اجتماع قادة 16 دولة آسيوية بالفيلبين على هامش قمة شرق جنوب شرق آسيا الثانية، واتفقوا على العمل سوياً لضمان الأمن في مجال الطاقة ومحاربة الفقر. وخلال القمة أيضاً وقعت الدول العشر الأعضاء في "رابطة دول جنوب شرق آسيا" على اتفاق مع الصين يهم الخدمات التجارية، حيث تعهدت الدول الأعضاء بالدفع قدماً نحو التوصل إلى اتفاق أوسع لتحرير التجارة. واللافت خلال الاجتماع أن "جلوريا أرويو"، رئيسة الفلبين وإحدى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، صرحت قائلة: "إننا مسرورون بأن تتحول الصين إلى أخ أكبر في المنطقة". وهو التصريح الذي جاء في ظل غياب أميركي عن أشغال القمة الآسيوية لعدم دعوة واشنطن للمشاركة. فهل يكون الأمر إيذاناً بانتهاء الحضور الأميركي في المحيط الهادئ؟ وهل إن أميركا بصدد فقدان آسيا لصالح الصين؟ الجواب طبعاً هو كلا، إذ لم يصل الأمر بعد إلى هذا المستوى. فعلى غرار كل ما هو آسيوي لا يعكس الانسجام الذي تبدى خلال اجتماع "رابطة دول جنوب شرق آسيا" الذي استضافته مدينة "سيبو" الفيلبينية الحقيقة على أرض الواقع. فمازال أغلب قادة الدول الذين شاركوا في القمة يضعون ثقتهم في واشنطن أكثر من جيرانهم، وبخاصة جارتهم الكبرى الصين. وبينما تلعب الصين دوراً محورياً لاستمرار الانتعاش الاقتصادي الذي تعرفه آسيا، إلا أن النموذج السياسي الذي يستند إليه القادة الآسيويون لبلوغ النجاح على المدى البعيد هو ذلك الذي تدافع عنه الولايات المتحدة. ولنأخذ قمة "رابطة دول جنوب شرق آسيا" نفسها كمثال؛ فعندما اقترحت الصين على أعضائها استضافة الاجتماع قبل سنتين جاءت ردة فعل الدول الأعضاء تحمل في طياتها قدراً كبيراً من التخوف. وهو ما حدا بكل من سنغافورة واليابان إلى الدفع بنجاح نحو إدماج قادة دول الهند وأستراليا ونيوزيلندا لموازنة النفوذ الصيني، كما انتزعت تلك الدول اتفاقاً ينص على أن استضافة القمة قاصر فقط على الدول الأعضاء في الرابطة. وفي الوقت نفسه، وقعت سنغافورة اتفاق إطار استراتيجياً يخولها الاستفادة من القوات الأميركية، وأقدمت إندونيسيا على خطوات مشابهة لاستئناف العلاقات العسكرية الثنائية مع الولايات المتحدة. وفي فيتنام عمل المسؤولون على تكريس الحرية الدينية في بلادهم تمهيداً لعقد قمة مع الرئيس جورج بوش وإقامة علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة. وبصرف النظر عن التودد المبالغ فيه للرئيسة الفلبينية للصين، مازال المحيط الهادي بعيداً عن التحول إلى بحيرة صينية خاضعة لنفوذها. وحتى الاتفاقيات التجارية التي وقعت بين "رابطة دول جنوب شرق آسيا" والصين هي أقل تهديداً للمصالح الاقتصادية الأميركية في المنطقة مما يتم تصويره. فمعظم الخبراء الاقتصاديين يستبعدون حصول تغيير جوهري في النظام التجاري مع الولايات المتحدة، أو إقامة حواجز تعيق وصول الشركات الأميركية إلى الأسواق الآسيوية. والأكثر من ذلك أن الضغوط التي تمارسها بعض الاقتصاديات الآسيوية المتقدمة مثل اليابان وسنغافورة على دول مثل إندونيسيا لتبني معايير الشفافية والحكم الرشيد لإنجاز الصفقات الاقتصادية يصب في المصلحة الأميركية ويساعد الشركات في الولايات المتحدة على غزو المزيد من الأسواق. والواقع أن الدول الآسيوية مازالت تعتمد بقوة على رؤوس الأموال والاستثمارات الأميركية للحفاظ على نموها الاقتصادي. لكن يبقى المصدر الأول لقوة أميركا اللينة Soft Power في المنطقة هو تحول المزيد من الدول الآسيوية صوب اعتناق الديمقراطية واتخاذها منهاجاً للحكم. فعند تأسيس "رابطة دول جنوب شرق آسيا" كان جل أعضائها تقريباً خاضعين للحكم الديكتاتوري، وكان المبدأ الموجه لأنشطتها "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" للدول الأعضاء، وهي الذريعة التي يتم التستر خلفها هرباً من الديمقراطية والقيم العالمية مثل احترام حقوق الإنسان وغيرها. أما اليوم فبينما تصر الصين على تتبع نفس النهج في عدم التدخل، يمضي باقي الأعضاء قدماً نحو تبني قيم الديمقراطية. ولم تكن الوثيقة الأهم التي صدرت عن القمة تتعلق بأمور التجارة والاقتصاد، بقدر ما تعلقت بميثاق جديد للحكم ينص على أن "السلام والاستقرار الإقليميين إنما يرتكزان على تعزيز الديمقراطية وتمتين قيمها مثل الحكم الرشيد، وتجنب تغيير الحكومات بالوسائل غير الدستورية، وإقرار سيادة القانون بما في ذلك القانون الإنساني الدولي واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية". ولا أعتقد أن "توماس جيفرسون" كان ليعبر بكلمات أفضل عن الديمقراطية، مما جاء في وثيقة "رابطة دول جنوب شرق آسيا"؛ فهي تعكس بوضوح تام موقف أول رئيس إندونيسي منتخب في تاريخ البلاد "سوسيلو بامبانج يودويونو". كما أنها ذات الرؤية التي يتبناها رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" الذي يسعى إلى إخراج بلاده من التفكير الاقتصادي والتجاري الضيق الذي سيطر على اليابان لعدة عقود ليبلور أهدافاً جديدة لليابان الصاعدة على الساحة السياسية الدولية. والأمر نفسه ينطبق على رئيس الوزراء الهندي "مانموهان سينج" الذي يسعى هو الآخر إلى إخراج بلاده من فكرة عدم الانحياز والدفع بها نحو المزيد من الديمقراطية، ثم الدفاع عنها عالمياً باعتبارها الحل الأمثل لمواجهة التهديد المتنامي للدول الفاشلة وخطر الإرهاب المجاور للهند. وللتوضيح فقط لا أحد من هؤلاء القادة المتشبعين بقيم الديمقراطية خضع للإملاءات الأميركية، كما أنه لا أحد منهم يسعى إلى فرضها على جيرانه. فالعديد منهم مازالت تواجهه تحديات جمة في مجال الحكم مثل الانقلاب الأخير الذي شهدته تايلاند، والنظام غير الديمقراطي الكارثي في بورما. ومع ذلك يدرك جميع هؤلاء القادة أن النمو الاقتصادي، كما الأمن القومي يرتكزان بشكل أساسي على نشر المبادئ الديمقراطية. هذه المبادئ التي في حال تمتينها في المنطقة، فإنها ستصل حتماً إلى باقي الدول بما فيها الصين وبورما وكوريا الشمالية. وإذا كانت الولايات المتحدة تملك أوراقاً رابحة داخل آسيا فلابد من إشهارها، بما يعني ذلك من انخراط أميركا على أعلى المستويات مع الصين، وكذلك مع القادة الذين يعتنقون نفس القيم الديمقراطية في الهند واليابان وإندونيسيا. كما يعني انخراطنا أيضاً استكمال المفاوضات مع كوريا الجنوبية لتوفير النموذج الناجح في تحرير التجارة في المنطقة. والأكثر من ذلك يعني انخراطنا في المنطقة عدم التخلي عن التزامنا بدعم الديمقراطية وتعزيزها في عموم آسيا لأنها، على عكس مصاعبنا في الشرق الأوسط والعراق، ما فتئت تفتح ذراعيها لمعانقة الديمقراطية. مايكل جرين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مدير الشؤون الآسيوية السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"