العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز نجح في لم الشمل الفلسطيني بعد أن فشلت محاولات عديدة، وما قام به خادم الحرمين الشريفين ما هو إلا تفعيل لدور المملكة العربية السعودية التي نؤمن بأنها قادرة على لعب أدوار أكثر فعالية في وضع متردٍ ومتهشم. لا يخفى على القيادة السعودية أن أوضاعنا تقترب من الحضيض وأن التشرذم والانقسام وغياب الرؤية... هي عنوان المرحلة التي نمر بها، وهي مرحلة حرجة انعكست على أوضاعنا العربية دون استثناء، مرحلة تدرك القيادة السعودية أسبابها وطبيعتها. البعض يقول إننا شبعنا من الموضوع الفلسطيني ولنترك أهله يحلونه على طريقتهم وإن كثيراً من الطاقات عطلت، والبعض الآخر- وأنا منهم- يرى بأنه لا فكاك لنا من الوصول إلى صيغة عادلة لحل الصراع الفلسطيني الداخلي, فالانقسام الفلسطيني هو انعكاس للانقسام العربي وما علينا سوى أن نجتهد لتكوين رؤية متقاربة حول أسباب الفشل في الوصول إلى حل له. لا نريد أن نبالغ في تبرير الأزمة بعوامل خارجية، فهذه بكل تأكيد فاعلة في تعطيل الحل، لكن أوضاعنا الداخلية هي السبب الأول في حالة الفشل، واذا ما اتفقنا على ذلك فربما من السهل أن نتعامل مع العوامل الخارجية. الأزمة لن تحل بالتبرعات والأموال بقدر ما تحل عبر رؤية عقلانية تقودنا الى تفكيك الأزمة. بالدرجة الأولى نحن ممعنون بحالة التردد وفي عدم الاتفاق على رؤية مشتركة وهذا ما يمنح الأطراف العالمية سببا في تراجعهم عن تقديم العون والمساندة. مبادرات عربية وعالمية فشلت في حلها وربما يزداد الأمر سوءا وقد نصل إلى حالة اللاعودة وهذا ما نريد أن نتجنبه. خادم الحرمين الشريفين تقدم بمشروع قبل توليه العرش، وكان مشروعاً سعودياً وعربياً، لكن البعض تراجع عن دعمه لأسباب ما. إسرائيل دولة تحتل أراضي عربية وهناك قرارات دوليه تحثها على العودة إلى حدودها، وما علينا سوى تفعيل القرارات الدولية عبر قنواتنا الخاصة مع الحلفاء وخصوصاً الولايات المتحدة. كنا نعول على الاتحاد الأوروبي لكنه غير قادر على الخروج من العباءة الأميركية، وروسيا يبدو أنها تريد أن تستعيد ثقلها، وقد يكون من المناسب أن نعيد شبكة تحالفاتنا العالمية، فهناك دول لها ثقلها وتملك كثيرا من الأوراق التي نستطيع استثمارها لصالحنا. "حماس" لم تعد كما كانت، ولا يمكنها أن تبقى حركة مقاومة طالما تولت مسؤولية سياسية، بل هي معنية بتغيير نهجها كقوة حكم تقود الشارع الفلسطيني، وقد تم انتخابها ديمقراطياً بشهادة عالمية. لا يمكن أن يستمر الوضع الفلسطيني المنقسم ولا بد من الوصول إلى رؤية بين كل الفصائل. إسرائيل أمر واقع ولا ينبغي أن نغرق في أحلام الماضي رفضاً لوجودها. أما فيما يخص علاقتنا مع الطرف الأميركي، فربما حان الوقت كي نعيد حساباتنا، ليس بفك التحالف، وإنما عبر إعادة صياغته وفق مصالحنا المشتركة. أميركا عليها أن تعي بأن الحرب على الإرهاب تعني بالدرجة الأولى القضاء على بؤر التوتر وسحب البساط من هؤلاء الذين يقتاتون على مائدة التردي العربي. علينا أن نغير أسس التخاطب مع أميركا، فكما هي معنية بمصالحها فنحن كذلك لدينا مصالحنا ونريد الحفاظ عليها. الولايات المتحدة إذا ما شعرت بأن الخطاب العربي الفاعل يتغير، وبأن حلفاءها ليسوا على استعداد لقبول كل ما هو أميركي، فستتغير الأمور وفق رؤية واقعية جديدة. ولعل المملكة العربية السعودية تقود الخطاب الجديد، فهي الدولة المالكة لكثير من أوراق اللعبة، فتحية لخطواتها.