تناهت إلى آذان العالم أنباء استباحة الإسرائيليين لتاريخ القدس في أكثر تجلياته حساسية ورهافة بمعنى القداسة الدينية، وذلك عبر محاولة اختراق أساسات المسجد الأقصى للوصول إلى نتائج تخدم الاستراتيجية الصهيونية، بنحو أو بآخر. وبالرغم من حركات الاحتجاج الداخلية والخارجية التي انطلقت ضد عمليات الحفر والتجريف في محور المسجد، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي امتنع -ببلاهة وصلافة ظلامية- عن إعطاء أمر بإيقاف هذه العمليات. وقد أثار هذا الامتناع سؤالاً بقدْر ما هو ساذج، فهو كذلك استفزازي وملفت على صعيد العلوم الاجتماعية، ذلك هو التالي: ألم يجلس مسؤولو إسرائيل يوماً، ومعهم رئيس الوزراء، على مقاعد التعلم والدراسة في مدارس وجامعات تعلموا فيها حدوداً أولية دنيا تتصل بالعلاقة بين الإيديولوجيا والإنتاج المعرفي، وبالخطوط الحمراء التي يجدر بالمرء، باحثاً كان أو عادياً، أن يقف عندها؟ وفي سبيل إيضاح تلك العلاقة، يمكن القول إن: "الإيديولوجيا" التي عرَّبها العلامة اللبناني عبدالله العلايلي بـ"الفِكروية"، هي النمط الذهني القائم على تفسير وتأويل المعارف والمواقف بمقتضى المصالح. وهذا يعني -ضمن ما يعنيه- أن مصالح البشر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها تفرض نفسها على المعارض والمواقف المذكورة وتخترقها، بحيث يصبح فهمها مختلطاً بتلك المصالح وبتوجُّهاتها. وفي هذه الحال، يبرز وجهان اثنان للمسألة، أما الأول منهما فيقوم على أن العلاقة بين الأمرين يمكن أن تكون ذات طابع سلبي، بمعنى أن المصالح تتناقض مع المعارف، وهذا نواجهه في أحوال كثيرة على الصعيدين الفردي والجمعي، كما ظهر مثلاً في الحركة النازية الألمانية والأخرى الفاشية الإيطالية، اللتين فسَّرتا التاريخ الألماني والإيطالي بل كذلك الأوروبي والعالمي، تفسيراً يخدمهما بوصفهما هاتين الحركتين العرقيتين. وفي هذا وذاك فسَّرتا المعارف المتحدرة من العلوم الطبيعية والبيولوجية في ذلك الضوء، فنشأ تناقض بين الإيديولوجيا والمعارف العلمية. ويُفصح الوجه الثاني من المسألة عن نفسه في علاقة من نمط آخر بين الفريقين المذكورين، ويقوم على كون الإيديولوجيا (القائمة على مصالح قومية أو سياسية أو استراتيجية... إلخ) يمكن أن تتوافق -بقدر أو بآخر- مع المعارف العلمية المعنية، مِمّا يسمح بالتأسيس لمنظومة علمية إيديولوجية تستجيب لشرائط العلم والتاريخ، دونما تناقض بين طرفي الموقف، ومثال ذلك يظهر في التوافق بين الإيديولوجيا الإنسانية ومقتضيات التاريخ. ما يثير الانتباه وربما يبعث على الاستفزاز في الحالة الإسرائيلية، يتمثل في القول إن الإيديولوجيا الصهيونية التوراتية، متوافقة كل التوافق مع المعطيات التاريخية في فلسطين وما يحيط بها من عمق عربي وإسلامي، وهذا، بدوره، أنتج حالة نموذجية من التعامل مع التاريخ، تقوم على إخضاع هذا الأخير لتلك الإيديولوجيا إخضاعاً تعسفياً إملائياً. وكان من مقتضيات هذا الموقف أنه إذا تبيّن لذوي الإيديولوجيا المذكورة أن هنالك عناصر أو كشفاً في التاريخ الفلسطيني يتأبَّى على التفسير أو التأويل الصهيوني التوراتي، فإنه يصبح ذا ضرورة مهمة أن يُلوى عنق ذلك التاريخ، بحيث يصبح قابلاً بسهولة للخروج من سياقه الفلسطيني إلى سياق ملفَّق هو السياق الصهيوني (ولا نقول اليهودي) الفلسطيني. لقد رفض أولمرت التراجع عن قرار الحفريات في محور المسجد الأقصى، فدلَّل على الحيثيات التالية: 1- إنه شخص يمثّل إيديولوجيا استعمارية استيطانية، تقلب معطيات التاريخ الفلسطيني على نحو يستجيب لاحتياجاتها بقوة مُفصح عنها، أو بتلفيق ماكر زائف، أو بصيغة مُضمرة خبيثة. 2- إنه رجل يدلّل على كونه عدواً للعلوم التاريخية التي تقدم أدلة قاطعة على أن الفلسطينيين -على الأقل- ليسوا دخلاء على التاريخ والواقع الفلسطينيّين. 3- إنه -أي أولمرت- ومن يمثل جماعات عرقية وجاهلة بخصوصية التاريخ الفلسطيني، التي تجلت في تعددية موزائكية جميلة من الأديان والحضارات والإثنيات، اندرجت تحت إطار فلسطيني إسلامي ومسيحي ويهودي ذي بُعد إنثروبولوجي عربي. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فلعله أصبح ممكناً أن نضع يدنا على ما يجمع بين محاولات تهويد القدس وتهويد تاريخ المسجد الأقصى من طرف، وبين ما أنجزه الغزاة الأميركيون منذ دخولهم العراق إلى الآن من تدمير للتاريخ الحضاري العراقي عبر "خرْبطة" معالمه السابقة واللاحقة، وعبر محاولة استئصال حاضناته المتمثلة في المتاحف والأوابد والثروات العمرانية وغيرها من طرف آخر. ذلك الجامع بينهما يقوم على إظهار الشعبين الفلسطيني والعراقي بمثابتهما شعبين، لا نسب تاريخياً لهما. فهما مجموعات من الشراذم ، الذين إما أن يخرجوا من التاريخ، وإما أن يكتشفوا موطئ قدم لهما في "السوق"، بصيغته الجديدة، صيغة السوق العولمية الكونية. فلقد أتى منظِّرو هذه الأخيرة وبشّروا الشعوب العربية والأخرى بأن مصائرهم التاريخية وصلت نهاياتها، بعد أن استنفدت أغراضها، وعليها منذ الآن أن تتقن آليات تدمير ذاكرتها الوطنية والقومية، وأن تعيش كما لو كانت نشأت الآن.