في عالم اليوم الذي لا يعرف الهدوء أو السكينة، وبات ورشة كبيرة يتم فيها التسابق المحموم للحصول على المعلومات والمعرفة الجديدة والقدرات البشرية والتقنية المتميزة، بدأت دولة الإمارات منذ فترة التركيز على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واستثمارها في مختلف جوانب الحياة، حيث شهدت السنوات الماضية اهتماماً متزايداً من قبل القيادات السياسية في الدولة، تبلور في صور خطط وبرامج وطنية طموحة لدفع جهود البنية التحتية في مجال الاتصالات، وتشجيع الاستثمار الأجنبي والمحلي القائم على المعرفة والتقنية المتطورة، وإتاحة خدمات (الإنترنت) في المراحل الدنيا من السلّم التعليمي، وإقامة مناطق حرة لتقنية المعلومات والاتصالات، حيث أصبحت البنية الأساسية لقطاع الاتصالات في دولة الإمارات، وبفضل هذه الجهود، واحدة من أفضل البُنى على مستوى العالم. ومواصلة لهذه الجهود، تأتي توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مؤخراً، بإنشاء صندوق للمعرفة، يتولى المساهمة في إنشاء وتوفير بيئة تعليمية ومعرفية مثالية، والعمل على الارتقاء بجودة المخرجات التعليمية، حيث يهدف إنشاء هذا الصندوق، الذي سيُدار كمحفظة استثمارية، إلى توظيف ما يتم تحصيله من عوائد وأرباح استثمارية في تأمين وتوفير وتنمية الموارد المالية، وضمان الدخل اللازم لتمويل ورعاية المبادرات والمشاريع التعليمية المستقبلية، كما سيكون أداة مهمة لمضاعفة الأموال المخصصة للتعليم وزيادة دخل المشاريع التعليمية، بعد أن أصبحت قضية تمويل التعليم والتدريب في الدولة تطرح نفسها بقوة، بحثاً عن حلول دائمة، ومصادر أخرى غير حكومية للإنفاق على هذا القطاع، وسط تسارع عالمي في النمو المعرفي والعلمي وتطور أنظمة التعليم والتدريب وأساليبه. إن دولة الإمارات التي تحتل المرتبة الأولى بين البلدان العربية، من حيث توظيف التقنية الرقمية، ومستوى الجاهزية للانتقال نحو اقتصاد المعرفة، وفق التصنيف الأخير للبنك الدولي، إلا أنها ما زالت متأخرة كثيراً في مجال صناعة المعرفة، بينما يخطو اقتصادها خطوات كبيرة باتجاه التحوّل كلية إلى اقتصاد يوظف التكنولوجيا بفعالية عالية، في عملية التنمية. ويمكن القول إن المعضلة الرئيسية التي تواجه دولة الإمارات في هذا المجال تتمثل في غياب المؤسسات الوطنية المسؤولة عن تنظيم وصناعة المعرفة، والاهتمام بإنشاء التقنيات وتطويرها، وقلة الكفاءات المواطنة للاضطلاع بأعباء هذا التحوّل المهم، علاوة على غياب برامج تدريبية تسهم في تنمية هذا المجال الحيوي. ويمكن لصندوق المعرفة أن يسد هذه الثغرات جميعها، إذا ما تم توظيفه بالشكل الأمثل، وتعميمه على المستوى الاتحادي مع إسهام شركات القطاع الخاص المحلية والأجنبية في هذا الصندوق. إن دولة الإمارات التي تحتل المرتبة الأولى بين البلدان العربية، من حيث توظيف التقنية الرقمية والجاهزية الإلكترونية، وفق تصنيف البنك الدولي، ما زالت تخطو خطوات كبيرة باتجاه التحوّل كلية إلى اقتصاد المعرفة، الذي يرتكز على أربعة محاور رئيسية، أولاً: التعليم والتدريب، حيث يتطلب هذا الاقتصاد مجتمعاً متعلماً وماهراً، بإمكانه إنتاج المعرفة واستخدامها بفاعلية. ثانياً: توافر بنية معلوماتية تحتية ديناميكية. ثالثاً: توافر شبكة تفاعلية تربط مراكز البحوث والجهات الاستشارية والجامعات والشركات التجارية ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث تتمكن معاً من امتصاص المخزون المعرفي العالمي المتراكم، وتكييفه وفقاً للاحتياجات المحلية. رابعاً: وجود بيئة اقتصادية وتشريعية تسمح بتدفق المعرفة بِحُرية، وتدعم الاستثمار في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.