كثيراً ما ينظر إلى الصين باعتبارها الدولة الصاعدة على الساحة العالمية التي ما فتئت تتقدم بخطى ثابتة نحو الريادة، وهي حقيقة تدفع العديد من البلدان الأقل حجماً إلى مراقبة الصعود الصيني باندهاش مشوب بالوجل. فقد اختتم الرئيس الصيني "هو جنتاو" يوم الجمعة الماضي جولته الأفريقية التي استغرقت 12 يوماً، وهي الزيارة التي حملت في طياتها حقائق أكثر تعقيداً تتصل بالعلاقة الصينية الأفريقية. والأكثر من ذلك شكلت الزيارة فرصة لاختبار أحد المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية الصينية المتمثل في التركيز على الأعمال دون سواها بمعزل عن آراء الشعوب التي تدخل الصين في شراكة مع حكوماتها. فحسب الصين ليس رأي الشعوب من مسؤوليتها، أو مسؤولية غيرها من الأطراف الدولية. وهكذا زار الرئيس الصيني ثمانية بلدان أفريقية تضم دولاً تربطها علاقات وثيقة مع بكين وتعد من حلفائها الأساسيين في القارة السمراء وشركائها التجاريين، وهي بلدان موضوع اهتمام من الاستثمارات الصينية. ولدى انتهاء الزيارة ترك "هو جنتاو" وراءه مساعدات كثيرة للقارة الأفريقية مثل إلغاء ديون تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، وتقديم أخرى بنسبة فائدة مخفضة، فضلاً عن تعهده ببناء المزيد من المدارس والمراكز الثقافية كرمز للتعاطف مع قارة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبرى بالنسبة لمستقبل الصين. ومع ذلك لم تمر زيارة الرئيس الصيني بالهدوء المتخيل، حيث استقبل في زيمبابوي باحتجاج شعبي واضطر إلى إلغاء ظهوره في إحدى المناسبات، وذلك رغم تخصيصه 800 مليون دولار من الهبات والاستثمارات لزيمبابوي، أحد أفقر البلدان في العالم. وفي ناميبيا، إحدى الدول الأفريقية المتحالفة مع الصين، هاجمت صحيفة محلية إلى جانب نشطاء في مجال حقوق الإنسان السياسة الخارجية للصين بعدما نعتوها بالأنانية والافتقار إلى أساس أخلاقي. أما في جنوب أفريقيا فقد ألقت تصريحات سابقة للرئيس "تابو مبيكي"، كان قد حذر فيها أفريقيا من التحول إلى مستعمرة اقتصادية للصين، بظلالها على الاستقبال الذي حظي به الرئيس الصيني. كما أفردت الصحف في "جوهانسبرج" مقالات لاذعة، انتقدت فيها السجل الصيني في مجال انتهاك حقوق الإنسان، خاصة منها ما يتعلق بحقوق العمال. وفي محطته بالسودان، حيث تمتلك الصين مصالح نفطية مهمة، ألهبت زيارة "هو جنتاو" انتقادات شديدة بشأن توفيرها لغطاء يقي النظام في السودان من تحمل مسؤوليته إزاء ما يجري في دارفور من استهداف للمدنيين. وبالطبع حظي الرئيس الصيني بحصته من الترحيب الذي خصصته له الشرائح الشعبية المؤيدة لزيارته، فضلاً عن الاتفاقيات التي أبرمت مع رؤساء وقادة الدول الأفريقية مشكلة نجاحاً دبلوماسياً وتجارياً لا يمكن إنكاره. فالعديد من رؤساء الدول الأفريقية يكنون وداً خاصاً للصين بسبب تأييدها لحركات التحرر التي كانوا يتزعمونها في السابق عندما كانت تلك الحركات تحظى بالشعبية. كما أنهم يرتاحون لمواقف الصين تجاه سيادة الدول، وحقوق الإنسان والتنمية التي هي أقرب إليهم من مواقف الحكومات الغربية. ومع ذلك رافق زيارة الرئيس الصيني إلى البلدان الأفريقية شعور بالانزعاج وعدم الارتياح لم يأتِ من زعماء الدول، بقدر ما عبرت عنه شعوب القارة التي بدأت تنظر بامتعاض للنفوذ الصيني المتنامي في أفريقيا لأسباب اقتصادية وعرقية وأيديولوجية. وفي هذا الإطار يقول "بيتس جيل"، وهو أكاديمي متخصص في الشؤون الصينية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: "من المهم الانتباه إلى العراقيل التي تواجهها الصينيون في أفريقيا، وهي مرتبطة بشكل أساسي بعدم درايتهم بطريقة التعامل مع البلدان التي تتوفر على قطاع خاص فاعل، ومجتمع مدني حيوي. والمشكلة أن موظفيهم في سفاراتهم بأفريقيا لا يدركون مثل هذه الأمور". وليست صحيحة تماماً تلك الصورة التي تظهر فيها الصين في أفريقيا على أنها الفاعل الأساسي في القارة، بحيث مازالت واردات الصين من النفط الأفريقي، واستثماراتها في أفريقيا أقل من واردات واستثمارات الولايات المتحدة وأوروبا. وفي هذا الصدد تحتل الصين المرتبة الثالثة في الشراكة الاقتصادية مع القارة الأفريقية بعد أميركا وفرنسا، وتتركز أغلب تلك التجارة على استيراد النفط من السودان وأنجولا ونيجيريا مقابل إغفال تام للبضائع الأخرى التي ينتجها العمال الأفارقة. وتتغير صورة الصين المشرقة في أفريقيا على نحو دراماتيكي عندما ينظر إليها على أنها تسعى وراء الاستفادة من الخيرات التي تزخر بها القارة من نفط ومعادن نفيسة دون اكتراث بشعوبها ومواهبها. وهذا الأمر هو ما عبَّر عنه الرئيس الجنوب أفريقي "تابو مبيكي" في خطاب ألقاه في شهر ديسمبر الماضي حذر فيه من أن علاقة الصين بأفريقيا المقتصرة على استيراد النفط والمواد الأولية وتصدير البضائع الاستهلاكية تهدد "باستنساخ العلاقات الاستعمارية السابقة" التي سادت بين أوروبا ومستعمراتها الأفريقية قبل قرن من الزمان. وسواء كانت تلك الصورة صحيحة، أم خاطئة، فإن الوقائع على الأرض في بعض الدول الأفريقية مثل زيمبابوي وزامبيا، تساهم في ترسيخ طبيعة العلاقة المختلة بين الصين والقارة السمراء. فقد اجتاح أصحاب المحلات الصينية والبائعة المتجولون شوارع المدن الأفريقية ليدفعوا بالعديد من التجار الأفارقة إلى حافة الإفلاس. وفي هذا السياق فقد عمال النسيج في جنوب أفريقيا عشرات الآلاف من الوظائف بعد 2005 بسبب التوقيع على اتفاق يسمح للبضائع الصينية الرخيصة باجتياح الأسواق العالمية. وفي زيمبابوي، تصاعدت المشاعر المناهضة للصين منذ الانفجار الذي هز عام 2005 أحد مناجم النحاس تابع للصين وأدى إلى مقتل 46 عاملاً، مما أجج شكاوى واسعة حول مدى احترام صناعة المناجم الصينية لمعايير السلامة، والتزامها باحترام البيئة. ويبقى الاختبار الأهم الذي تواجهه السياسة الخارجية الصينية في أفريقيا هو كيفية التوفيق بين مبادئها الداعية إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وضرورة الاهتمام بالأزمات السياسية التي تعصف بالقارة مثلما يجري حالياً في دارفور. مايكل واينز ـــــــــــــــــــــ مراسل "نيويورك تايمز" في جنوب أفريقيا ــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"