رغم قلة إحساسي وضعف حماسي لكل المشاريع التي تفصل ما بين المرأة والرجل، خاصة تلك التي تؤسس على قواعد مصاغة من الأنوثة والذكورة أو أشتم منها مثل هذه الرائحة، ولكنني أظل امرأة يمثل الفضول لديها حاسة تحظى باحترام شديد. دفعني هذا الفضول في يوم من أيام بداية هذا العام إلى زيارة بورصة الكويت، والقاعة النسائية من ضمنها، ولا أدري أي قدر دفعني لأن أقوم بمثل هذا النشاط في منتصف نهار كانت البورصة فيه -ربما- في قمة نشاطها، كما بدا لي وأنا أدخل الباب لأجد نفسي كالحمامة وسط قفص من الغربان، أو كالحمل وسط غابة من الذئاب، وشعرت أن كماً من سهام العيون متخمة بعلامات السؤال والاستغراب تتجه نحوي، وتدور حولي باحثة عن صغير البقع لتغرز دبابيسها، وما كنت أملك ساحاً سوى ملء رئتي بكم كبير من هواء أوشكت رئتي أن تشكو منه، حتى جاءت حمامة السلام "رولي البعيجان" لتحط على كتفي وتشيع في نفسي السكينة وتنتشلني من وسط مئات من الدشاديش والغتر، والعيون الجاحظة باتجاه الشاشات التي تتحرك بأرقام تأخذ بتلابيب النفس والجيب. أخذتني في جولة ثقافية ممتعة -اعترف- حتى جاء موعد حط الرحال في القاعة النسائية، هناك حيث يجتمع البرقع والنقاب والحجاب والسفور، والعيون كلها شاخصة باتجاه الشاشات الكمبيوترية المتفرقة بينهم -محافظة على الخصوصية- والقرار بكبسة زر وآلاف الدنانير تتحرك في جو حضاري عجيب لعل اللافت في أمره كون الأغلبية التي قابلتها هناك من النساء المتقاعدات وأن التقاعد المبكر كما قالت إحداهن هو الذي جذبهن باتجاه استمرار النشاط والمتاجرة بمكافأة نهاية الخدمة. بدلاً من شاي الضحى، والتجوال في الأسواق، وما أن سألتهن عن الربح والخسارة حتى كانت المداراة لابتسامات وطلبن مني أن أذكر الله ولا أضربهن بعين الغبطة أو الحسد.
وتمثل المرأة اليوم الحلقة الأضعف لأنها تعيش وسط إرث ثقافي ينعتها بالتبذير دوماً حيث يمثل الزوج في حياتها أو الأب أو ربما الأخ، يمثل دور المحاسب أو مدقق الحسابات، يزيد من ذلك محاولات تجهيل الرجال لها لنصب شباك الرعاية للتصرف بإرثها أحياناً أو راتبها بحجة أهمية مشاركتها في الحياة المنزلية ونادراً ما يعطي لها حرية الحركة في أموالها، فالرجال يفهمون أكثر -كما يدعون- مما يزج بالعلاقة بين الاثنين إلى العنف غير المسلح الذي تقبله المرأة على مضض لأنها قد أسلمت عنقها.
لذلك، واللحن الدائم العزف هذه الأيام هو إعادة النظر في مناهج التعليم، وتعديلها بما يتناسب مع مستجدات العصر الأمر الذي كان يجب أن يتم منذ عشرات السنين. فقد آن الأوان لأن نصوغ للجيل القادم منهاجا في التربية الوطنية يتضمن التعامل بالمال كقيمة حضارية تنموية حامية لحمى الأسرة والوطن. يمر بنا الموضوع الدراسي بالتعرف على قيمته المادية والإنسانية، وطرق صرفه بما يعود بالفائدة على الفرد والأسرة، وتنميته بما يسهم في حركة النمو الوطني، واستثماره بما يعزز اقتصاد البلاد، والمحافظة عليه، ونستخدمه كسلطة بعيداً عن التسلط، فالمال نعمة من نعم الخالق جل وعلا يستحق عليها الشكر والثناء ولها علينا الرعاية والعناية صوناً للإنسان وكل ما يتعلق به من صحة وسعادة وكرامة وإنسانية، وهو مسار لا يمكن أن نتحمس له أو نبدأ به إلا بعد الاعتراف به وأنا أولكم، اللهم إني أجهل الجاهلين.